مفيدٌ من وقت إلى آخر أن يُنشِّط السياسيون ذاكرتهم ليعرفوا أين كنا وأين صرنا؟
وليعرفوا أن ما نشهده اليوم من سلبيات في الوضع السياسي هو نتاج حقبة سياسية كان أحد أبرز عناوينها التهديد والوعيد والتهويل.
إذاً، إنعاشاً للذاكرة، كيف كان الوضع؟
كانت قوى الثامن من آذار في موقع المهدِّد وقوى 14 آذار في موقع الذي يتلقى التهديد. أحد السياسيين من قوى 8 آذار كان يتحدث، وفي تصريحات وخطابات علنية، أن هناك أربعين شخصية يجب وضعهم في صناديق السيارات وينتهي الأمر، هذا التصريح موثًَّق وبإمكان أي مهتم أن يراجعه.
لكن ما لم تقله التصريحات تحدَّثت عنه المعلومات الموثوقة والموثقة عن تلك المرحلة. تقول هذه المعلومات عن تلك المرحلة التي سبقت إسقاط الحكومة أن قوى الثامن من آذار وضعت خطة عسكرية - أمنية سمَّتها (عملية الصدمة)، ووفق السيناريو الذي وُضِع للعملية فإن الخطة كانت تقضي القيام بعملية عسكرية صاعقة تستهدف واحداً من هذه المقرات:
السرايا، بيت الوسط، العدلية، المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.
في معرض الإختيار بين هذه المقرات، قُرَّ الرأي على أن يتم استهداف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لأن قوى الثامن من آذار تعتبرها رمزاً من رموز المرحلة الممتدة بين العام 2005 واليوم.
الإعداد للعملية لم يبق على السريَّة التي تستلزمها، فعرِف بها مَن يجب أن يعرف، وكان الرد بالطرق والأطر المعتمدة قاسياً (لن تكون العملية نزهة، وليُجرِّب مَن يريد أن يجرب).
تسارعت التطورات، بدأ الضغط في الشارع، تصاعد الحديث عن أصحاب (القمصان السود) الذين انتشروا في العاصمة في ما يُشبِه (البروفا) للسيطرة عليها، كل هذا التهديد والتهويل لم يُثنِ قوى الرابع عشر من آذار ولا سيما رئيس الحكومة سعد الحريري عن التمسك بمواقفه التي أصبحت مبادئ، عندها كان القرار بإسقاط الحكومة من خلال إستقالة الوزراء العشرة، كما عمدت قوى الثامن من آذار إلى (إقالة) الوزير المحسوب من حصة رئيس الجمهورية.
فجأة توقَّف كل شيء له علاقة بالتهديدات، لم يعد مطروحاً وضع أربعين شخصية في صناديق السيارات، كما لم يعد مطروحاً (الإغارة) على مقر المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي و(احتلاله)، صار مطروحاً كيفية (إنجاح) الرئيس المكلَّف في تشكيل حكومته.
لكن هذا التحدي يستلزم ما هو أكبر من (عملية الصدمة) إذ كيف بالإمكان إحداث (صدمة) لدى الرأي العام؟
تحققت الصدمة لكنها جاءت مغايرة حيث أن التكليف تحقَّق منذ أكثر من شهر لكن التأليف دونه عقبات ومن الصعب جداً أن يكتب له أن يُبصر النور قريباً.