من السذاجة إعطاء تفسير واحد وجاهز لِما تشهده منطقتنا من ثورات وانتفاضات، فالتزامن في ما بينها لا يعني التطابق في أسبابها ومسبباتها، كما لا يعني على الإطلاق تطابقاً في نتائجها.
لا يُكتَب التاريخ بعد شهر على الحدث خصوصاً أن هذا الحدث ما زال مستمراً ولم ينتهِ بعد، فمَن يدري مثلاً كيف ستنتهي إليه الأمور في مصر؟
فالذين قاموا بالإنتفاضة ليسوا هُم مَن تسلَّموا السلطة بعد رحيل الرئيس حسني مبارك بل إن الذين تسلموها هُم من صُلب نظام الرئيس مبارك، أليس المجلس العسكري الذي تسلَّم زمام الأمور هو نفسه المجلس العسكري على أيام الرئيس مبارك؟
أين وائل غنيم، ناشط الإنترنت الذي أشعل الثورة؟
أين محمد البرادعي الذي تجرَّأ على معارضة الرئيس مبارك؟
نقول هذا الكلام فقط لنستنتج أن ما حصل في مصر كان نصف ثورة، أي إسقاط النظام، لكنه لم يصل إلى الثورة الكاملة، أي إقامة نظام جديد، وإلى أن يتحقق هذا الأمر في انتخابات تشريعية جديدة، يبقى أن نتمنى للشعب المصري أن يعرف كيف يحافظ على روح الثورة التي انطلقت من ميدان التحرير.
لكن الذي يجري في ليبيا مختلفٌ كلياً، فالعقيد معمَّر القذافي بقي جاثماً على صدور الليبيين إثنين وأربعين عاماً، وهو بهذا المعيار أقدم حاكم ليس في العالم العربي فقط بل في العالم أيضاً، لكن الجامع المشترك بين النظامين المصري والليبي انهما في حضن الأميركيين، فالنظام المصري دخل في المنظومة الأميركية منذ إتفاقية كامب دايفيد، والنظام الليبي في المنظومة ذاتها منذ استسلم لواشنطن بعد طائرة لوكربي، لكن أميركا لا تحمي الأنظمة من شعوبها، خصوصاً إذا كانت هذه الأنظمة فوق خط الفحش فيما الشعوب تحت خط الفقر، أليست مفارقة أن يكون نصف الشعب المصري راتب الفرد فيه شهرياً عشرة دولارات فيما وسائل الإعلام تتحدث عن ثروة العائلة الحاكمة بما يفوق السبعين مليار دولار؟
الأمر ذاته ينطبق على تونس أيام الرئيس زين العابدين بن علي، فراتب التونسي شهرياً لا يزيد عن العشرة دولارات، أي كالمصري، فيما قصور زين العابدين محشوة بملايين الدولارات واليورو وبخزنات الذهب والالماس بحسب ما بث التلفزيون التونسي.
النظام التونسي، بدوره، لم يكن بعيداً عن المنظومة الأميركية، وعلى رغم الديكتاتورية التي حكم فيها تونس على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، فإن واشنطن كانت تغض الطرف عن هذه الديكتاتورية لأن مصالحها كانت مؤمنة عبر النظام التونسي.
لكن مثلث تونس ومصر وليبيا شيء، وما يجري في بعض دول الخليج وشبه الجزيرة العربية شيء آخر... ففي البحرين كان الملك حمد بن عيسى آل خليفة رائد حركة النهوض والإصلاح، وحصد مشروعه للميثاق الوطني تفويضاً شعبياً كاسحاً وبشبه اجماع في استفتاء عام، ورسم أفقاً طموحاً لعملية اصلاح مستمرة، ووسع هامش الحريات في اطار ديمقراطي. وولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة أطلق دينامية شبابية في عروق الدولة والمجتمع قائمة على التواصل الدائم مع قطاعات الشعب وفعالياته. والحركة الشعبية المطلبية الراهنة في البحرين ظلت تحت سقف الشرعية الدستورية واطار الطموحات التي سعى الحكم دائماً إلى تحقيقها. وتتمتع مملكة البحرين اليوم بدعم خليجي وعربي دولي، وبخاصة انها لم تعد بالإصلاح بل باشرت في تنفيذه وممارسته.