هناك نفر من البشر منحه الله نعمة البصر والبصيرة، فنمت لديه قدرة على قياس المسافة بينه وبين مصدر الخطر الداهم وأيضا قياس حجم الخطر، ومدى القدرة على مواجهته في اللحظة المناسبة، تلك اللحظة الفارقة بين الدمار والاستقرار، وقد ألهمت زرقاء اليمامة مهاراتها في الرؤية إلى ذلك النفر، ولكن المقادير حرمت نفرا آخر، لم يكن على القدر الكافي من الوعي لاستلماح تفاعلات الحاضر ومتغيرات العصر، وخاصة في ظل عالم ثورة الاتصالات وتدفق المعلومات وتكاثر أدوات التواصل الاجتماعي التي تجاوزت، كثيرا جدا، أدوات النظم في القيادة والسيطرة، وحتى في إدارة الأزمات. وما يزيد من تعقيد الأمور ذلك التبسط في إعطاء أوامر المواجهة بأدوات قمع غدت عتيقة وضارة، حتى بمن يستخدمها، فينقلب المدافع عن الواقع المتراجع الى دافع لهذا الواقع باتجاه الهاوية، وهذه التعقيدات ربما تتعاظم بسبب حالة من التعالي والغرور بالمنصب، واسباب القوة، او إدارة الآلة الاعلامية في اتجاه يهدف الى التشويش على الوقائع، وجذب زمامها في اتجاهات مختلفة.

وبينما اصبح الشباب في مختلف البلدان العربية على وعي كامل بمطالبهم وأدوات عرضها والخطوات التنظيمية والتوثيقية لكل الأحداث التي كانت تقع في الماضي دون ان يعلم عنها احد سوى جهات الاختصاص من أجهزة امنية وادوات رصد رسمية، وبينما كان كل ذلك يدور في أوساط الرأي العالم العربي، كانت النظم تواصل الدعاية المضادة وبث الاتهامات بوجود عناصر مندسة واصابع اجنبية، او إعطاء الايحاء بأن كافة الأمور على ما يرام بينما تشتعل النار وتتأجج في أثواب النظام حتى يأتي الحريق على كل شيء ويقطع خط الرجعة الى الزمن الذي كان من شعور الاستقرار والأمان.

أما الذين حباهم الله عيون زرقاء اليمامة وبصيرتها فإنهم ولا شك يستطيعون استلماح مظاهر الخلل في "توصيلات" الجهاز الإداري للدولة، ويعمدون في زمن الهدوء والسكينة الى سد ذرائع التوتر وإحباط عوامل الانفجار، وايضا يعمدون الى حسن الاختيار بين الالتصاق بالكرسي حتى النهاية المفجعة للوطن ككل، وبين تلك المعالجة الهادئة والحكيمة لحاجات الناس وحل مشكلات الشعوب، وهي أمور تدخل في حيز المستطاع لو آثر الممسكون بمقاليد الامور ان يعدلوا رؤيتهم تجاه ما يسمى بـ"الحفاظ على هيبة الدولة" والتوفيق بين احترام النظام والقانون من جهة وبين الوفاء بضرورات التحول في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بفعل المتغيرات التي كان الشباب أول من بادر الى استثمارها لطرح حاجاته ومطالبه من جهة أخرى، وما لم يكن هناك من يليبها فما قيمة وجود الحكومات إذن؟

ورغم التأكيد على وجود فوارق جذرية بين الدوافع الى الخروج للشارع من دولة الى اخرى، إلا ان ترك الأمور حتى تصل الى القرار الجماعي بالخروج يجعل من المتعذر جدا جمع الأطراف الى مائدة حوار، حيث يكون الانفلات والعشوائية في السلوك الجمعي هو السائد ـ بكل أسف ـ.
ولعل التحولات الجارية في عدد من البلدان العربية حاليا تستلزم الدعوة العاقلة والأمينة على مكتسبات الوطن والمواطن في البلدان المستقرة ان يبادر الطرفان: الدولة والشعب، الى فتح ابواب الحوار بينهما، والوفاء بما يمكن الوفاء به من التزامات الدولة تجاه المواطن، وفي نفس الوقت، ان تتوفر لدى المواطنين حاسة القياس الدقيقة بين الفعل ورد الفعل، وبين المقدمات والنتائج، فقد يكون بمقدور احد طرفي هذه المعادلة إيجاد المقدمات او إشعال الفتيل، ولكن بالقطع لن يستطيع أيهما تقدير حجم العواقب والنتائج.

واذا كان الدين النصيحة فمن الواجب أن ننصح ومن واجب الحكومة والنظم السياسية أن تسمع وتنصت وتستطلع الأفق بعيون زرقاء اليمامة.