موسم الرحيل العربي يأخذ الاتجاه المعاكس. فعلى مدى عقود كان الحكام العرب يفرضون على معارضيهم الرحيل الى المنفى أو السجن أو القبر. وكانت الانقلابات العسكرية والانتخابات المزورة هي التي تأتي بالرؤساء وتبقيهم في السلطة مدى الحياة.

اليوم دقّت الساعة لرحيل الحكام وعودة المنفيين، بعدما صار من المستحيل تزوير ارادة الشعوب التي تصوّت بأقدامها في الشارع. (ثورة الياسمين) في تونس دفعت زين العابدين بن علي الى المنفى السعودي. (ثورة 25 يناير) أخرجت حسني مبارك من القصر الى العزلة في شرم الشيخ. ولائحة الحكام المرشحين للرحيل طويلة في المغرب والمشرق، حيث تهبّ العواصف الشعبية في شتاء الغضب.

والظاهر ان الأقدم بين الحكام هو المرشح الأسرع للرحيل بعد 42 سنة في السلطة من دون حاجة حتى الى انتخابات مزورة. لكن سيناريو القمع، ولو قاد الى حرب أهلية، يبدو أسهل على العقيد القذافي من سيناريو الحوار الذي عرضه نجله سيف الاسلام وطبعاً من سيناريو الرحيل. فليس في ليبيا نظام بل مجرد وضع يتحكّم به رجل واحد يدعي انه فوق المناصب الرسمية، وان اشترى وهو (قائد الثورة) لقب (ملك ملوك افريقيا).

وليس فيها شيء من الاسم المضحك الذي أطلقه عليها القذافي: (الجماهيرية الليبية الاشتراكية العظمى). فلا هي جماهيرية تحت عنوان الهرب من الجمهورية أو السخرية بها. ولا هي ليبية ما دامت تواجه بالرصاص الشعب الليبي الثائر. ولا هي اشتراكية ولا حتى رأسمالية بل تركيبة لتبديد الثروة على طموحات خيالية لحاكم بلد لا يزال يفتقر الى بنية تحتية عصرية. ولا هي بالطبع عظمى لمجرد ان القذافي حاول مساندة الثورات الفاشلة في كل مكان وجرّب كل أنواع الوحدات الفاشلة متنقلا من ثياب العروبة الى الكفر بها والتعلق بالافريقية.

ذلك ان ليبيا تحترق، والقذافي يهدّد بقتال شعبه حتى آخر رجل. فالحوار مهزلة حين يدعو اليه نجله وهو يصف الثوار بأنهم (مأجورون ومدمنو مخدرات ومرتزقة).
والقمع مأزق مزدوج، وسط الدعوات الشكلية من عواصم عدة الى الامتناع عنه: لا السلطة قادرة على البقاء من دون عنف. ولا العنف يضمن لها تجنّب النهاية الحتمية، لأنه يزيد من اصرار الثوار على تغيير السلطة.

صحيح ان ليبيا تحتاج الى (جمهورية جديدة ودستور جديد) كما اعترف سيف الاسلام، مع انها ليست جمهورية أصلاً ولا دستور لها لكي يمكن الانتقال من قديم الى جديد. لكن الصحيح أيضا ان الجمهورية لن تولد على أيدي القذافي وأبنائه الذين يفضّلون ان تنقسم ليبيا على الذهاب في موسم الرحيل.
 

رفيق خوري