مضت عقود طويلة على سلوك غامض مارسته الدول الكبرى المصنعة للسلاح وتفاوت هذا السلوك حسب مقتضى الحال وحسب الضغوط التي كان يمارسها أصحاب مصانع السلاح خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا حيث يتمركز حوالي نصف مصانع الأسلحة في الأولى ، واكثر من ثلثها في الثانية ، ويقدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عدد تلك المصانع بمائة شركة سلاح على مستوى العالم منها 45 شركة في الولايات المتحدة و 33 شركة في أوروبا (الغربية) وتقوم هذه المصانع والشركات بتصدير (90%) من منتجاتها للخارج ومن المفارقات في هذا الأمر ان المنح التي تعطي للدول النامية والهشة اقتصاديا تعود إلى الدول المانحة مرة أخرى في شكل أثمان مبيعات الأسلحة لتشغيل المصانع والعمال في الدول المنتجة للسلاح.
فضغوط جماعات الضغط من ملاك مصانع الأسلحة هي التي تسير لعبة الحرب والسلاح وايضا تتحكم في الوساطة بين الدول التي غالبا ما تصل الى طرق مسدودة بسبب ضغوط الشركات الحربية لترويج سلعها القاتلة بغض النظر عن كل المعايير والقيم والقوانين الدولية والأبعاد الأخلاقية أيضا , فإحلال السلام في العالم يعني بوار تجارة الأسلحة وتراجع مبيعاتها ومن ثم يحرص القادة في الغرب على استمرار الصراعات وفتح بؤر صراعات جديدة كما في العراق وأفغانستان وتخويف الشعوب من خطر الإرهاب الدولي وما الى ذلك من مبررات لاستمرار صناعة الموت في تشغيل آلاتها وتروسها وعمالها .
ولنا في طبيعة العلاقة الأميركية الاسرائيلية مثلا واضحا حيث حولت الإدارات الأميركية إسرائيل إلى مخزن ضخم للأسلحة وأطلقت يدها في استخدامها وهذا ما يفسر سياسة التعنت والاستعلاء وفرض الأمر الواقع والعدوان المستمر على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة لإسرائيل استنادا إلى الاستقواء بالترسانة الحربية الأميركية , لقد كانت المسيرات المليونية تجوب شوارع اميركا واوروبا لمنع غزو العراق لكن تجار الحرب صموا آذانهم وشرعوا في الغزو فهلكوا و أهلكوا ولا يزالون يفعلون في أفغانستان وأماكن أخرى من العالم .
ولعل اللوم كل اللوم ينصب على الدول التي تعيش حالة من السلام وتلجأ في نفس الوقت لتكديس الأسلحة خوفا من المجهول وبذلك يساعدون على استمرار هذه المصانع والشركات في الانتاج والدول التي تستكين للوساطات الغربية المشبوهة التي لا تفضي الى نتائج ملموسة على صعيد الحل السلمي للصراعات .
وأمام التحولات الاقتصادية والمناخية والاجتماعية وتضاؤل الثروات الطبيعية في العالم فإن كل المنظومة الدولية لابد ان تشرع على الفور في تغيير آليات عملها وإعطاء مصانع السلاح مهلا زمنية لتوفيق أوضاعها والتحول الى انتاج معدات مدنية لمواجهة الجفاف واستصلاح الأراضي وترشيد استهلاك المياه وتعزيز بنيه المجتمع المدني في العالم وبذلك تجد هذه المصانع رواجا لسلع تنتجها من أجل التخفيف من معاناة البشر وليس سلعا لهلاكهم .
وثمة تجارب عديدة تشير إلى أن الحلول السلمية وإن تأخرت زمنا أو استغرقت بعض الوقت هي الأكثر جدوى من الحلول العسكرية كل ما في الأمر ان تسعى المنظمات الدولية الى تفعيل القوانين والمواثيق التي تحض على حل كافة الصراعات في العالم بالطرق السلمية كما ينبغي ان تسعى تلك المنظمات الدولية الى الضغط على الدول المصنعة للسلاح والمصدرة له ان تساعد شركاتها على هذا التحول المنشود باتجاه الصناعات المدنية .
لقد وضع تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام العالم امام مسئولياته وعلى هذا العالم وضع خارطة الطريق الملائمة للخروج من هذا المأزق الدولي الذي أصبحت فيه مبيعات السلاح هي المتحكمه في لعبة الحرب والسلام .