يبدو وأن ذاكرة المجتمع الدولي أكثر وهنا وضعفا مما يتصوره الكثيرون، فالدول الكبرى المسماه بمجموعة "الثمانية" والتي تنضوي مع اثنتي عشرة دولة أخرى ضمن مجموعة العشرين تتحدث الآن عن الاختلالات الاقتصادية وأعمال الشغب التي حدثت في أنحاء كثيرة من العالم نتيجة تلك الاختلالات وعدم الاكتراث بخطورة تجاهل حقوق فقراء العالم عندما تضع الأذرع الحديدية للدول الكبرى، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، خططا لما يسمى بالاصلاح الهيكلي لاقتصاديات الدول النامية فارضين شروطا صارمة للإقراض ومعترضين بشدة على محاولة أي دولة لدعم السلع الاساسية في الداخل لإقرار مبدأ العدالة الاجتماعية ومساعدة الطبقات الفقيرة، ويصل الضغط الى حد التهديد بمنع المنح والمعونات لمن لا يلتزم بخطط البنك والصندوق لعمليات الإصلاح الاقتصادي في الداخل.
واليوم.. وبعد أن شهد العالم أزمات مالية واقتصادية ساحقة، سبقها تضخم هائل ولحقها حركات تذمر من الطبقات الفقيرة، أتت على الأخضر واليابس في بعض الدول التي عانت من تلك الشروط القاسية، بعد ذلك كله نسمع ان مؤتمر وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية للدول الاعضاء في مجموعة العشرين، وبالطبع معهم ممثلون عن المؤسسات المالية العالمية كالصندوق والبنك المشار اليهما، يتباحثون حول طريقة معالجة الاختلالات الاقتصادية وأسباب ارتفاع أسعار المواد الخام والسلع الغذائية الأساسية.
وانعكاس ذلك على الاضطرابات التي تجتاح العديد من دول العالم الآن. وبذلك تتجاهل تلك الدول والمؤسسات الدولية المجتمعة في باريس انها سبب هذه الأزمات المتلاحقة فكيف يكون السب للمشكلة هو صانع الحل في نفس الوقت؟ إن الدول والمؤسسات المانحة والمقرضة قروضا "مشروطة" والمراعية لمصالحها الاستراتيجية في إقراضها ومعوناتها، عليها أن تقدم اعتذارا وليس حلا، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهم فاقدون لحس الشعور بمعاناة الطبقات الفقيرة، التي تتحرك فجأة وبغضب فلا تفرق بين الخطأ والصواب في تحركاتها، مما يهدد كل الخطط والخطوات التي تم اتخاذها لما يسمى بالإصلاح الاقتصادي في العالم.
إن معظم أموال المنح والقروض (الميسرة) تروح لدعم المجهود الحربي وتتجاهل الدول المستحقة إذا لم تكن جزءا من معادلة الصراع الدولي القائم على قدم وساق، للهيمنة على مصادر المواد الأولية ومصادر الطاقة، في سباق مشؤوم وغوغائي واستيلائي يرتقي الى حد الخيانة وعدم الاحترام لمبادئ العدالة الانسانية واخلاقيات العمل السياسي والاقتصادي الدولي.
ولو أنصف قادة مجموعة العشرين ومنهم مجموعة الثماني، لاعترفوا بأخطاء الماضي وبادروا الى اصلاح حقيقي ينهض على أساس عدالة توزيع المزايا وايضا الاعباء على سكان الكرة الارضية على اختلاف طبقاتهم، فالبشرية كلها شركاء في المصير، وكلما تجاهلوا هذه الحقائق، كلما توقعنا وتوجسنا من مستقبل لا يبشر بخير لأحد من داخل "الثمانية" أو "العشرين" أو ما سواهما.
فاليكفوا عن مزاعم الإصلاح وليعترفوا أولا بذنبهم.. ذلك أزكي لهم.