ليس من المبالغة في شيء القول إن حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو استطاعت، من خلال المماطلة والخداع واضاعة الوقت، والاصرار على عدم الاستجابة لمطلب وقف الاستيطان في القدس المحتلة، ان تضع عملية السلام في الشرق الاوسط وفكرة الحل على اساس الدولتين وكذلك الولايات المتحدة كراع للسلام واللجنة الرباعية الدولية والاتحاد الاوروبي، امام مأزق شديد بالفعل، وهو مأزق تزداد صعوبة الخروج منه في الواقع، خاصة في ظل التطورات الجارية التي تشهدها دول عدة ومؤثرة في المنطقة .


ومع الوضع في الاعتبار ان هناك العديد من المؤشرات، من داخل اسرائيل وعلى ألسنة قادتها، التي تشير الى قلق اسرائيل الشديد من التطورات والتغيرات السياسية في عدد من الدول العربية، وما يمكن ان يترتب عليها من آثار ونتائج، مباشرة وغير مباشرة بالنسبة لعملية السلام في الشرق الاوسط والآفاق التي تنتظرها والسبيل الذي قد تسير فيه، فانه من المؤكد ان الساحة الفلسطينية بدورها لن تكون بعيدة عن هذه التأثيرات لاعتبارات عديدة ومفهومة، وهو ما بدأت مقدماته في الظهور من خلال الدعوة من جانب منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لاجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين قبل شهر سبتمبر القادم.


وايا كانت نتائج الجدل الراهن، والذي سيستمر لبعض الوقت بين حركتي فتح وحماس اللتين لم تستوعبا حتى الآن دلالات ما جرى وما تشهده المنطقة من تطورات تفرض اعادة النظر في كثير من المواقف السابقة واتخاذ مواقف اكثر قدرة على خدمة المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فان الاوضاع العربية والفلسطينية كذلك خلال الفترة القادمة سوف يطرأ عليها قدر غير قليل من التغير، وهو امر مرجح، وعلى نحو لا يمكن إغفاله لا من جانب الفلسطينيين، ولا من جانب العرب ولا اسرائيل ولا القوى الدولية المعنية بالاوضاع في هذه المنطقة الحيوية ايضا.


جدير بالذكر ان اسرائيل وحكومتها المتشددة والتي ارتكبت الكثير من الحماقات والانتهاكات في حق الشعب الفلسطيني، ولا تزال، قد تصورت خلال الأشهر الماضية انها يمكن ان تقضم الوقت وان تلعب لعبة الانتظار والمماطلة دون ان تخسر شيئا طالما ان الاوضاع العربية والفلسطينية ستظل على ما كانت عليه في الأشهر الماضية. ولكن التغيرات التي جرت في كل من تونس، وبالاخص في جمهورية مصر العربية، لابد وان تفرض نفسها، ليس فقط على اسرائيل وكل الاطراف المعنية بالاوضاع في المنطقة وذات المصالح فيها، ولكن ايضا على فرص حل القضية الفلسطينية، وربما على الموقف العربي العام ايضا، وهو ما تخشاه اسرائيل بالفعل، وقد عبرت تصريحات قياداتها، بمن فيهم نتانياهو نفسه عن ذلك بوضوح خلال الايام الماضية.


ومع ادراك ان التطورات الجارية تفرض نفسها على الجميع، الا انه يبدو من المهم والضروري بالنسبة لاسرائيل ان تبادر وبشكل جاد في اتخاذ مواقف جديدة، والتخلي عن ممارسات اجرامية طالما مارستها في حق الشعب الفلسطيني من ناحية، وان تهيئ الفرصة لإمكان استئناف عملية السلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية خلال الفترة القادمة، ومحاولة الاستفادة من دعوة اللجنة الرباعية الدولية لاستئناف المفوضات من ناحية ثانية . اما اذا اختارت حكومة نتانياهو المضي في مماطلاتها وامتصاص الوقت دون نتيجة حقيقية وملموسة، فانها ستكون على الأرجح اول من يدفع ثمن ذلك، ومن ثم ينقلب السحر على الساحر. فهل تدرك القيادات الاسرائيلية ذلك؟