درجت كل أمة من الأمم على اعتبار منظومتها الأخلاقية هي الأولى بالاهتمام، وهذه المنظومة غالبا ما تقوم على عقيدة بعينها أو تراث فكري وموروثات اجتماعية تكونت بين ظهراني تلك الأمة دون أن تعرف عنها الأمم الكثير، كان ذلك في الماضي ولكن تطور آليات التواصل بين البشر ومواكبة للثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم، وتلغي الحواجز والفواصل بين الامم والثقافات، اصبح من المحتم تغيير تلك المفاهيم الانعزالية القديمة والانفتاح على آفاق أوسع نطاقا لتعريفات وماهية الأخلاق الانسانية، سيرا في اتجاه تجميع رؤية عامة وشاملة عن مفهوم الأخلاق باعتبارها (مشتركا إنسانيا) يتجاوز حدود الامم والثقافات الاقليمية في مختلف قارات العالم.
وبالطبع فإن لدينا موروثا اخلاقيا نجله وننميه، وهو موروث نابع من عقيدتنا الاسلامية السمحة وتراثنا الثقافي المنقول عبر الأجيال، لكن في إطار تطور المفاهيم مع تطور العالم وتقاربه، فإن من الضروري اليوم إعادة تأصيل هذه المفاهيم والاعتراف بحق الآخر في بناء منظومته الاخلاقية، وفي نفس الوقت نحوز رضا الآخر وقبوله لثقافتنا القومية، وهذا الاحترام المتبادل يجعل من السهل تمازج وتكامل بعض المفاهيم ذات القبول العام، والتي تحظى باتفاق اكبر عدد ممكن من شعوب العالم المعاصر، اما ما يكون محل اختلاف فيكون الحل الوسط هو التلاقي عند نقطة (المشترك الانساني) والاحترام المتبادل للتباين، الذي قد يطرح نفسه بإلحاح، مع العلم بأن هناك اتفاقا كاملا بين الأديان السماوية على البناء الأخلاقي الأمثل للبشرية والذي تنطلق منه منظومات القيم الاخرى كالحق في العدالة والحرية، واحترام الحاجات الاساسية للانسان وقد أخذ مركز السلطان قابوس للثقافة الاسلامية على عاتقه مهمة التنوير والتبصير بحتميات العصر في تشكيل البناء الاخلاقي باعتباره مشتركا إنسانيا وذلك من خلال تنظيم ندوة (الأخلاق الانسانية الرفيعة) التي بدأت اعمالها امس، وقد أقر الفقهاء والباحثون من خلال أوراق العمل التي قدموها للندوة بأن ثمة امكانية لتجديد الخطاب الأخلاقي بما يحقق اهداف حياتنا كأمة إسلامية، وفي نفس الوقت يسمح بالحوار مع الآخر لتحقيق العلاقات الانسانية الأمثل.
وقد كانت اخلاقيات العرب ولا تزال نموذجا يحتذى للعالم، لكن التجاذبات في السياسة الدولية أدت الى محاولات لتغيير الصورة العامة لهذه المنظومة الاخلاقية ابتغاء غايات سياسية لا تخدم مفهوم التقارب بين الامم، ومن ثم تتعاظم قيمة الندوات التي تنهض بمهمة التنوير بالبعد الاخلاقي العربي والإسلامي في شكله ومضمونه المتسمين بالنقاء والشفافية واحترام حاجات الآخر والحرص على تحسين العلاقات مع باقي افراد المنظومة البشرية، ومن ثم فالأمل معقود في أن تتوالى مثل هذه الندوات لإصلاح ما أفسدته أبواق الدعاية المغرضة في صورة أخلاقنا السامية.