التقرير الذي صدر عن منظمة "أوكسفام" أمس الأول، يشكل أحد أخطر التقارير الصادرة عن المنظمات العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية والمساعدات التنموية، فقد أكد التقرير على أن الدول المانحة في معظمها تعطي الأموال على أنها منح لدول فقيرة ولكنها في الحقيقة توجه هذه الأموال لخدمة أهدافها الأمنية والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. مؤكدة (أوكسفام) أن ثلث إجمالي المساعدات الدولية الموجهة لعمليات التنمية في الدول (الهشة) خصصت لثلاث دول من 48 دولة محتاجة لهذه المنح، وهذه الدول الثلاث هي (العراق ـ أفغانستان ـ باكستان).


ورغم صدق توجه تقرير "أوكسفام"، إلا أنه أبرز جانبا من الحقيقة بينما ظلت جوانب عديدة خافية، وهي الأبرز والأوضح في تناقضات العمل الإنساني الدولي، وما يدور تحت ستاره من فظائع سياسية وعسكرية.
على سبيل المثال فإن العراق لم يكن أبدا بلدا هشا أو فقيرا، كما لم يكن يوما بحاجة إلى معونات إنسانية، بل كان هو الذي يساهم في الدعم الإنساني للدول الفقيرة (والهشة). وتوجيه أموال اليه بعد حصاره 13 عاما وغزوه وتدمير بناه التحتية، وهو محاولة للتستر على جريمة حضارية لا تغتفر ارتكبها الذين قرروا غزو العراق واخراجه من حضارة القرن الحادي والعشرين، وإفقار شعبه عمدا ثم الادعاء بأن أموال الدول المانحة تتوجه لإغاثة الشعب العراقي، وهذه كذبة تاريخية لا يجب أن تمر مر الكرام.


كما لا يجب أن تمر مر الكرام قرارات حجب المنح عن شعوب بعينها كالشعب الفلسطيني نزولا على رغبة إسرائيل أو الشعب الصومالي بذريعة أنه بلد يفرخ الارهاب ويرعاه. ولا ينسى أحد أن الأموال التي انفقت في أفغانستان على سبيل المثال كانت موجهة لدعم قدرات عسكرية ولم تتوجه إلى برامج تنمية أو إقامة بنية تحتية، رغم كل المزاعم والادعاءات التي قيلت في هذا الشأن، والأمر نفسه ينسحب على ما كانت تتلقاه باكستان من "منح".


أما الكذبة التاريخية التي لم تتسلط عليها الأضواء في ما يتعلق بالمنح وما أحاطها من أكاذيب ودعائيات وأيضا "مَنْ" غير مقبول في العلاقات الانسانية، فهي الاشتراطات التي كانت تكبل الدول التي تتلقى تلك المنح، إذا كانت الدول المانحة تشترط أن تشتري الدول التي تتلقى المنح سلعا بعينها من شركات بعينها غالبا ما تكون شركات الدول المانحة ذاتها أو شركات دول موالية لها، وبذلك يدفع المانحون باليمين ويستردون ما يدفعون بالشمال، هذا فضلا عن الانفاق من صلب المعونة على عمليات النقل وأجور العاملين في المجالات الانسانية وهي تكاليف تبتلع القدر الأكبر من المعونة.


لقت استعملت "دبلوماسية المنح" كسلاح خطير لشراء الولاءات ومعاقبة الخصوم وتصنيف الشعوب بين مستحق وغير مستحق حسب مقتضيات مصالح الدول المانحة وعلاقاتها وستضل هذه المثالب بمثابة وصمات عار في جبين الانسانية، وقدحا خطيرا في مصداقية آليات الدعم الإنساني، نأمل أن تعيه الموسسات الدولية وكذلك مؤسسات الدول المانحة، لعل في إصلاح هذا الخلل ما يقرب بين الشعوب ويخفف من معاناة الفقراء الغاضبين.