العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني وأراضيه وممتلكاته ومقدساته يشبه جبل الثلج العائم الذي لا يظهر من كتلته الكلية إلا النزر اليسير، بينما يختفي الجزء الأكبر والأخطر والأكثر قدرة على إلحاق الأذى، تحت السطح وحينما تهاجم قوات الاحتلال أي موقع فلسطيني مدني إنما تحرص على إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر وعناصر الأذى المستديم بعد رحيل القوات المعتدية. ومن أبشع تلك الممارسات اللاإنسانية مهاجمة موارد الماء والغذاء والطاقة ومسارات تموين الشعب الفلسطيني بحاجاته الأساسية.
وما لا يتم تدميره بالغارات الجوية يجري التخطيط لسرقته، وكل ذلك يتم بشكل غير معلن ويتخذ من التحركات السياسية الدولية والمحلية ستارًا للتغطية على هذا النوع من الاعتداءات كتهويد القدس ومؤامرات هدم الأقصى وتفتيت الأرض الفلسطينية التي من المقرر أن تقوم عليها الدولة الجديدة، ثم الأخطر من ذلك وهو سرقة المياه الفلسطينية عبر مخطط مضى عليه أكثر من عشر سنوات، وفي نفس الوقت عرقلة كل الخطط الفلسطينية لإقامة مشروعات مائية تفي بحاجة الشعب الفلسطيني من هذه السلعة الاستراتيجية المصيرية من أجل البقاء.
وقد سبق ووقعت السلطة الوطنية الفلسطينية اتفاقية لتقاسم المياه مع الحكومة الإسرائيلية عام 1995م تنص على حصول الفلسطينيين على 118 مليون متر مكعب من مياههم، بينما تسيطر إسرائيل على مخزونات المياه ومجاريها في نهر الأردن والأحواض المائية الأخرى وتقدر بـ2300 مليون متر مكعب. ولنلاحظ الفرق الهائل في النسب المخصصة للجانبين، ومدى ما تحمل من ظلم وإجحاف مدعوم بصمت مشين من جانب المجتمع الدولي، والمجادلين في ملف سلام الشرق الأوسط. وكذلك حين تقوم إسرائيل بأي غارة على غزة إنما تكون قد حددت هدفها مسبقًا عن طريق عملائها في الموقع، وهذا الهدف غالبا ما يكون مستودعًا للماء أو الغذاء، حتى لو كان لا يزال بحوزة الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (أونروا).
وأحيانًا تبدو هذه الغارات غير مبررة في الظاهر كونها تأتي فجأة ودون تحرك مسبق من جانب المقاومة، لكن بالطبع تكون إسرائيل قد رصدت موقعًا من هذه المواقع، أو المخازن، ومن ثم تبادر إلى قصفه، ضمن مسلسل تجويع وتركيع الشعب الفلسطيني إلى أقصى مدى، إذ تراهن دولة الاحتلال على إيهان شوكة ذلك الشعب العربي الصامد ودفعه إلى التسليم طلبًا للماء والغذاء وسبل العيش الأخرى وربما التوسل أيضًا، وهو ما لن يحدث أبدًا.
إن مشاهد مخازن الغذاء والماء التي يتم قصفها باستمرار من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية هي أكبر وأوضح الأدلة على ارتكاب دولة الاحتلال وقياداتها المتعاقبة، جرائم في حق الإنسانية، وسيأتي، لا محالة، ذلك اليوم الذي تدفع فيه إسرائيل ثمن هذه الجرائم الموثقة.