في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع، سواء في المنطقة أو خارجها، بالتطورات الجارية في أكثر من دولة عربية، وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المنطقة خلال الفترة القادمة، فإنه من الواضح أن إسرائيل قررت استغلال هذا الانشغال إلى أبعد مدى ممكن، وذلك من خلال التركيز العملي على دفع وتنشيط عمليات التهويد في القدس الشرقية المحتلة بوجه خاص، وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية بوجه عام. وذلك بوتيرة وتسارع غير مسبوق بشهادة الاسرائيليين أنفسهم عبر بعض مراكز الأبحاث الاسرائيلية التي ترصد هذا النشاط.
وإذا كان من المعروف على نطاق واسع أن إسرائيل لها مخططاتها، ورؤيتها الاستراتيجية على صعيد تهويد القدس الشرقية المحتلة، التي احتلتها اسرائيل ضمن الأراضي العربية التي سيطرت عليها في عدوانها عام 1967، واستيعابها في مخطط القدس الكبرى الموحدة وجعلها عاصمة لاسرائيل ، فإن الخطر الذي تزداد درجة وضوحه مع كل يوم يتمثل في أن مخطط التهويد للقدس الشرقية يمضي ويقترب من تحقيق جزئه الأكبر، وذلك من خلال الإقدام على هدم أحياء ومبان تاريخية عرفت دوما بعروبتها، مثل مقر مفتي القدس الأسبق الحاج أمين الحسيني، ومثل حي الشيخ جراح، وحي السلوان وغيرها من أحياء القدس العربية. ولم يكن مصادفة أن توكل اسرائيل عمليات الهدم وإعادة البناء هذه لرجال أعمال مؤيدين لإسرائيل، بغض النظر عن جنسياتهم، أو لمستوطنين وشركات استيطانية معروفة بعدائها الشديد للفلسطينيين وتطرفها في تبنيها لمخططات التهويد الاسرائيلية.
جدير بالذكر أنه ترافق مع فورة النشاط الاستيطاني الاسرائيلي تلك، حملة علاقات عامة اسرائيلية تشنها حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو تدعي من خلالها حكومته رغبتها في استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين، في حين أنها تعمد إلى القضاء على أي بارقة أمل يمكن أن تشجعهم ـ الفلسطينيين ـ على العودة إلى مائدة المفاوضات مرة أخرى. وبذلك تسير حكومة اسرائيل في نفس طريقها لخداع العالم من ناحية وتنفيذ مخططاتها الاستيطانية، وخاصة في القدس المحتلة من ناحية ثانية.
ومع الوضع في الاعتبار ما دعت إليه اللجنة الرباعية الدولية قبل أيام من أهمية وضرورة استئناف عملية السلام مرة أخرى، إلا أن الأمر الأكثر أهمية هو السؤال المرتبط بما اذا كانت اسرائيل قد قامت بما يمكن أن يشجع الفلسطينيين على العودة إلى المفاوضات الآن، وفي مثل هذه الظروف؟ وإذا كان الجواب معروفا وأشار إليه أكثر من مسؤول فلسطيني في رام الله، في الأيام الأخيرة، فإن الفرصة تتسع في الواقع أمام إسرائيل لتسير نحو تحقيق ما تريده من أهداف في القدس الشرقية، سواء باستكمال عمليات التهويد إلى حد كبير، أو لإعادة تخطيطها وابتلاعها ضمن مخطط القدس الكبرى. والنتيجة النهائية لذلك كله هو ألا يجد الفلسطينيون أثرا للقدس الشرقية التي يتمسكون، هم والعالم الاسلامي ككل، بأن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة المأمول أن ترى النور خلال السنوات القادمة.
وإذا كان الفلسطينيون والعرب والمسلمون في العالم يتمسكون بالقدس الشرقية ويعارضون تهويدها وضمها لإسرائيل، فإن تحقيق هذا الهدف يحتاج ما هو اكثر بكثير من تسجيل المواقف أو توجيه النداءات، لأن إسرائيل تغير طابع المدينة وطبيعتها التي تميزت بها على امتداد القرون الماضية.
ولذا فلعله من الممكن التحرك والعمل مع الأمم المتحدة واليونسكو ومختلف الهيئات الدولية من أجل محاولة الإبقاء على ما تبقى من القدس الشرقية قبل أن تكمل اسرائيل التهامها وتهويدها بشكل كامل