منذ ما يقارب الشهرين تركزت أنظار الإعلام الدولي، بشكل شبه كامل، على الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية ومنها تونس ومصر، بحيث أن نشرات الأخبار القروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية اقتصرت على ايراد التفاصيل اليومية لهذه الهبّات ساعة بساعة، ولم يعد هناك سوى مكان ضئيل وحيز ضيق لمتابعة ما تقوم به السلطات الاسرائيلية من ممارسات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها، وعلى رأسها، القدس الشرقية الفلسطينية وما يجري فيها من تكثيف محموم للاستيطان.

ووسط العتمة الإعلامية وانشغال العالم بتونس ومصر، عادت اسرائيل إلى ممارساتها الاستيطانية. ولعل آخر مظاهر هذه الممارسات هو الموافقة على بناء ما يقارب العشرين وحدة سكنية استيطانية في حي الشيخ جراح. ومن المعروف أن هذا الحي حتى ما قبل عامين فقط كان حيا خاصا وخالصا للفلسطينيين، ثم بدأت الهجمة الاستيطانية بإخلاء عائلات الكرد وغاوي وحنون، وتتابع المسلسل بتهديد عدة عائلات مقدسية من سكان الحي في منازلهم. وكان الفصل ما قبل الأخير هو هدم فندق شبرد، وهو من المعالم الفلسطينية في المدينة المقدسة، وتملكه عائلة الحسيني التي يعد أفرادها بالمئات، ومع ذلك تجاهلت السلطات الاسرائيلية حقوقهم، وتنوي إقامة مبان استيطانية مكان الفندق، وتعتبر الوحدات السكنية التي ووفق عليها قبل يومين خطوة في هذا الطريق الجائر.

اسرائيل، كما يبدو، تستغل انشغال الرأي العام الدولي بالأحداث في مصر وتونس وغيرهما من الدول العربية لتنفيذ مخططاتها التوسعية في الأراضي الفلسطينية. ولم تتوقف أعمال البناء في كل المستوطنات اليهودية في القدس والضفة الغربية. وقد ضحى بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء اسرائيل، بالعملية السلمية طواعية على مذبح المطامع الاستيطانية التوسعية، رافضا أي تجميد للاستيطان وغير مكترث بالعتاب الأميركي المؤدب الذي تلقاه بعد رفضه لكل المقترحات، والعروض الأمنية السخية التي تقدمت بها إدارة الرئيس باراك اوباما.

ومن المفروض أن يتوجه قدر كاف من الاهتمام الدولي نحو ما يحدث في القدس ومحيطها الفلسطيني. وهناك ما يستحق المتابعة في ما يتعلق بالممارسات الاسرائيلية التي تتصاعد هذه الأيام. لأن القضية الفلسطينية ومخاطر تجاهلها لصالح أي قضية أخرى ستكون لها تداعيات خطيرة على البعدين الإقليمي والدولي، مع احترامنا لحقوق الشعوب العربية، ومطالبها المشروعة في الحرية والعدالة والديموقراطية.

الإعلام العربي والدولي يجب أن لا يحول نظره عما يجري في فلسطين، حتى لا يسمح لاسرائيل باستغلال الظروف، وتنفيذ مخططات ظلت نائمة حتىأيقظتها التطورات العربية الأخيرة.

فهل هذا التصور في أذهان الإعلاميين الأوروبيين والأميركيين؟ هذا ما نأمله باسم المهنية والموضوعية والالتزام الإعلامي النزيه.