التاريخ والجغرافيا من أهم العناصر الحاكمة في علاقات الشعوب، رغم ما يعترض هذه الحقيقة من شواذ مرحلية تعتري هذه العناصر الحاكمة وتؤدي إلى الإخلال بها حتى حين وسرعان ما تعيد الوقائع تصحيح المسار ليعود إلى حتميته التاريخية والجغرافية.
وهذا التصور يمكن أن ينطبق بوضوح على العلاقات السورية التركية المعاصرة خاصة والتركية ـ العربية عامة التي تتنامى على نحو غير مسبوق نتيجة الوعي المتزايد بالحتمية التاريخية والجغرافية لدى الجانبين.
ولأن التكامل الاقتصادي هو أفضل مظاهر التقارب بين بلدين، لذلك يأتي مشروع سد الصداقة الذي وضع حجر الأساس له رئيسا الوزراء السوري والتركي أمس على نهر العاصي كشاهد على ذلك وبلا شك فإن التحولات الاقليمية والعالمية على الصعيدين السياسي والاقتصادي قد عجلت بتسريع هذه العلاقة المتنامية بين سوريا وتركيا بما يربطهما من واقع إقليمي وثقافي وحضاري يجعل التكامل بين البلدين أمرا ملحا وضروريا وناجحا أيضا. فخلال انشغال تركيا بالعمل على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي كانت تولي ظهرها لظهيرها العربي لكن الواقع الاقتصادي والسياسي في القارة الأوروبية بعد قيام الاتحاد الأوروبي ـ وهو واقع مترنح على نحو واضح ـ أفقد تركيا حماسها السابق وعكفت على تحسين أوضاعها السياسية والاقتصادية حتى أصبحت مصدر دعم لدول أوروبية توشك على الإفلاس حاليا ثم وجدت تركيا في جوارها العربي الشريك الطبيعي والذي تتوفر فيه عناصر الديمومة والاحترام المتبادل للمصالح. وهذا التكامل الحثيث بين تركيا وسوريا في مجال الأمن المائي يشكل أهمية كبرى للجانبين وينهض على روابط جيوسياسية متينة، مقارنة بمشروعات كانت تتداولها وسائل الإعلام حول إمكانية نقل المياه التركية إلى إسرائيل على نحو لا ينسجم مع طبيعة الأمور.
لقد أضافت مشروعات التقارب السوري التركي الى المشروع الحضاري العربي لبنة شديدة الأهمية نأمل أن تتزايد مساحتها لتشمل تكاملا أوسع نطاقا يضم المنطقة العربية كلها وجوارها الإقليمي من كافة الاتجاهات ويعطي التقارب السوري التركي مثالا مهما على قيمة الاحترام المتبادل للظروف الموضوعية التي تعزز من علاقات دول المنطقة الواحدة وتصنع بذلك تجمعا إقليميا منافسا وفاعلا على المسرع الدولي بدلا من تلك المحاولات المنفردة للبحث عن شريك عابر للقارات سرعان ما يمل تواجده في مكان ينأى به كثيرا عن محيطه الإقليمي فضلا عن كونه شريكا انتهازيا ويسعى للحفاظ على مصالحه منفردا ولا يكون له شغل شاغل سوى تكييل الشركاء في اتفاقيات وتفاهمات لا تفي بمفهوم الاحترام المتبادل للشراكة وقد سبق لتركيا وسوريا أن الغتا تأشيرات الدخول بينهما سعيا لمزيد من التقارب والتمازج بين الشعبين المرتبطين بروابط عديدة منذ فجر التاريخ، ومؤكد أن سد الصداقة لن يوفر مياها فقط بل مزيدا من الاقتناع بضرورة احترام العناصر الحاكمة في علاقات الشعوب والأمم.