ليس من المبالغة في شيء القول بأنه إذا كانت جموع المصريين، داخل مصر وخارجها، متألمين ومهمومين، ويتابعون لحظة بلحظة ما يجري على أرض الكنانة من أحداث، أدمت ولا تزال تدمي قلوبهم لما يشهدونه أمامهم، وفي ميادينهم وشوارعهم، من أحداث لم يكن يتصورها، حتى اشد أعداء مصر وشعبها، فإن ما يجري في مصر هو من الأهمية إلى الدرجة التي اهتم ويهتم بها الجميع، على امتداد المنطقة والعالم من حولها، ليس فقط بحكم أن مصر هي الدولة العربية الأكبر في هذه المنطقة، ولكن أيضا بحكم أنها الدولة العربية المحورية، والتي طالما أثرت وتؤثر بحكم رياديتها الثقافية والفكرية والسياسية أيضا في مختلف التطورات في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وذلك بغض النظر عن فترات أو مراحل الضعف أو الانكفاء التي قد تمر بها أو تتعرض إليها لسبب أو لأسباب عديدة ومعقدة كذلك .

وفي هذا الإطار فإنه ليس غريبا ولا مفاجئا أن تحظى الأحداث والتطورات في مصر العربية الشقيقة بأكبر قدر من الاهتمام، وحتى القلق والخوف من جانب الكثيرين في المنطقة والعالم، خاصة وأن ما يجري الآن سيمتد بتأثيره المباشر وغير المباشر إلى دوائر عديدة يتجاوز محيطها حدود الشرق الأوسط بالتأكيد.

جدير بالذكر أنه مع وضع ذلك كله في الاعتبار ونحن نشهد حجم الاهتمام العربي والإقليمي والدولي، الرسمي والشعبي بهذه الفترة الصعبة، بل والحرجة في تاريخ مصر الحديث، فإن ما يلتقي عليه الجميع، خاصة كل المحبين لمصر ولشعبها العربي الكريم المعروف بأصالته وتضحياته من أجل العرب والقضايا العربية، هو أنه إذا كان ما يجري على أرض الكنانة هو أمر يخص في المقام الأول مصر، قيادة وحكومة وشعبا، باعتباره شأنا داخليا لا ينبغي التدخل فيه من جانب أية أطراف أخرى، وذلك على الصعيدين القانوني والسياسي، خاصة وأن مصر، حكومة وشعبا، رفضت دوما وبقوة، التدخل في شؤونها الداخلية في مختلف الظروف على امتداد العقود الماضية، فإنه من المهم إلى أبعد حد أن تخرج مصر سالمة من هذا المخاض العسر، وأن يتم الحفاظ على سلامتها وامنها واستقرارها دولة ومجتمعا وشعبا، اليوم وغدا أيضا.

وفى الوقت الذي يشكل فيه الاستقرار في مصر - بكل معاني الاستقرار - ركيزة أساسية وعنصرا فعالا في الاستقرار على مستوى الشرق الأوسط ككل، فإنه من المهم والضروري أن تتوقف مختلف الأطراف الإقليمية والدولية عن أية محاولات للتأثير في التطورات في مصر، أو محاولة الدفع بها في هذا الاتجاه أو ذاك، سواء لتصفية حسابات ما، أو لمحاولة ضمانات معينة في المستقبل، أو للحصول أو محاولة الحصول على مكاسب أو ما قد يظن أنه مكاسب سياسية أو غيرها. ولعل ما يحتم ضرورة التوقف عن أية محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، على أي نحو وبأية وسائل وعلى أي مستوى، ان تلك المحاولات ترفضها كل الأطراف المصرية، رسمية وشعبية، كما أن تلك المحاولات قد تؤدي إلى نتائج عكسية في المستقبل، بعد أن تنقضي هذه الفترة الدقيقة وتستجمع مصر كل قواها مرة أخرى وتستعرض ما حدث وتستخلص منه الدروس وما ينبغي اتباعه حيال مختلف الأطراف في ضوء مواقف تلك الأطراف من مصر دولة وشعبا خلال فترة المخاض العسر التي ستنتهي بالضرورة خلال أيام، وعلى النحو الذي يعكس قدر مصر ومكانتها الكبيرة في المنطقة وحضارية الشعب المصري الشقيق وتاريخه العريق.