من يسيّر الآخر، السياسة أم الإعلام؟ سؤال قد لا تجيب عنه إلا الأحداث المتتالية في الشوارع العربية. أحداث تشد الأنظار إليها شداً على حساب ملفات سياسية أخرى.


عملياً سيطرت الاحتجاجات التي صبغت مصر وشارعها على ما عداها من أحداث، ليس في المنطقة فحسب بل في العالم أجمع، وسرقت الحدث ـ أي حدث عالمي ـ من وسائل الإعلام، على أهميته، وتصدرت عناوين الأخبار بلا منازع، فحتى الحدث الأكثر إثارة وهو "ثورة تونس" لم يعد يذكر إلا نادرا، بعكس ما كان عليه قبل احتجاجات مصر.


ملفات المنطقة الأخرى نُحيت جانبا أمام أحداث مصر، فعلى سبيل المثال؛ لم يعد أحد يتحدث عن وثائق المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي أحدث تسريب بعضها صدمة في الداخل الفلسطيني، ولم تستطع القناة الفضائية التي بدأت بثها أن تحولها إلى "ويكيليكس فلسطيني".


ملفات عربية أخرى كانت على تماس مع القاهرة كالملف اللبناني الذي تراجع الاهتمام العربي والعالمي به لصالح الاحتجاجات المصرية وما رشح عنها من تعديلات أجراها ويجريها مبارك كل يوم، فباتت الأمور تجري في لبنان تحت وقع العاصفة التي ضربت القاهرة، ويمكن أن تمر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بأقل الخسائر المتوقعة.


الملف النووي الإيراني وما يجري في الداخل الإيراني، لم يعد أحد يذكره، أو يذكر ما توصلت إليه طهران مع مجموعة 5+1 في إسطنبول، أو التداعيات الداخلية الإيرانية المستمرة بعد سنة ونصف على انتخابات؛ شهد العالم كله كم كانت مزورة وكم سقط نتيجتها من ضحايا.


لم يترك غياب مصر عن قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في أديس أبابا أي فراغ، مع أن وجودها كان ضروريا لعدة اعتبارات أهمها انتظار ولادة دولة أفريقية جديدة على الساحتين السياسية والجغرافية في جنوب السودان، وأهمية انعكاس ذلك على الأمن القومي المصري، والأمن المائي المصري.


ما سبق لا يعني أن الأمور تجري في تلك البلدان دون مشكلات، وإنما يشير بشكل واضح إلى أن الإعلام سيبقى عاملاً ولاعباً لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه في كثير من الأحيان، وأن اللجوء إليه أو التخلي عنه له سلبيات مثلما له من إيجابيات.