لا يزال اللبنانيون ينتظرون خروج الحكومة اللبنانية العتيدة إلى النور، بعد أن كلف رئيس الجمهورية ميشال سليمان نجيب ميقاتي في الخامس والعشرين من يناير الماضي بتشكيل الحكومة، حيث يبدو ميقاتي أنه لا يزال يدور في فلك الخلافات بين الكتل السياسية اللبنانية لا سيما تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري على خلفية الموقف من المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. فقد أبدى تيار المستقبل رفضه عن الدخول في الحكومة، رابطًا مشاركته في الحكومة بالتزام رئيس الوزراء المكلف بعدد من المسائل من بينها المحكمة الدولية، معتبرًا في الوقت نفسه أن ميقاتي مرشح المعارضة وتحديدًا حزب الله.


ميقاتي كان واضحًا في تصريح له أمس بأن حكومته لن تقوم بمراجعة المحكمة "طالما لم يجمع اللبنانيون على مراجعتها بالإجماع وبدعم عربي، فإن الحكومة تبقى ملتزمة احترام الاتفاقية التي تربطها مع الأمم المتحدة في موضوع المحكمة". وهو تصريح يعبر عن توازن واضح ينتهجه الرئيس المكلف، وينم عن شخصية سياسية حيادية متمثلة في شخصه، ما يدعو الأطراف الأخرى التي أعلنت أنها تقف على مسافة بعيدة منه وحكومته إلى القبول به كرئيس للحكومة، والتعجيل في تشكيلها.
 

من حق كل طرف أن يبدي ملاحظاته وتحفظاته واعتراضاته فهي أحد أسس العمل الديمقراطي الذي تعد ممارسته سمة بارزة في لبنان ذي التعدد الطائفي، ولكن ينبغي أن لا تخرج عن هذا المسار ولا تتخطى الحدود الممكنة والمعقولة، بحيث تنعكس انعكاسًا سلبيًّا على استقرار لبنان، وبما يؤدي إلى حالة من الفراغ السياسي والأمني، فالساحة اللبنانية لا تحتمل هذه الحالة وخاصة إذا استمرت مدة طويلة، لأن ثمة من يتربص بلبنان وشعبه وله أجندته الخاصة وتحديدًا إسرائيل التي لا تزال ترى في المقاومة اللبنانية وسلاحها بُعبعًا يجب التخلص منه. ولم تخفِ إسرائيل مكائدها ودسائسها عن لبنان، ولا تنوي أن ترفع يدها عن لبنان من خلال حلفائها المتنفذين فيه، بدءًا من شبكات العملاء وخلايا التجسس ومحاولة السيطرة على قطاع الاتصالات، إلى الدفع بتنفيذ عمليات اغتيال عبر عملائها، وانتهاء بموضوع المحكمة الدولية وخروج المسؤولين الإسرائيليين على الملأ بالإعلان عن أن القرار الظني الصادر عن المحكمة سيوجه أصابع الاتهام لعناصر في حزب الله، مستبقين المحكمة نفسها، في دلالة واضحة أن لإسرائيل أجندات خاصة في لبنان لا سيما رأس المقاومة وسلاحها.


ولذلك بناء على ما جاء على لسان ميقاتي من رفض لمراجعة المحكمة الدولية دون إجماع لبناني ودعم عربي، يحتم إعطاءه فرصة تشكيل الحكومة ومساعدته على بناء مؤسسات الدولة وتوفير مظاهر العيش والاستقرار في ربوع لبنان، وتفويت الفرصة على المتربصين بلبنان، وهكذا عهدنا باللبنانيين.