بعثت التظاهرات المليونية التي هزت مصر أمس، التي كان أعنفها وأبرزها في ميدان التحرير وسط القاهرة رسالة لاتحمل أكثر من تفسير، ولا تحتاج الكثير من الوقت للفهم، إنها رسالة تؤكد حتمية التغيير، ليبقى السؤال المطروح فقط عن صيغة ذلك التغيير، وكيف يتم، هل سيتخذ مسار التصعيد والعنف، أم يتمسك بسكة التهدئة والرهان على عامل الوقت.


داخليا بدت الأمور محسومة، فلا صوت يعلو على صوت التغيير، وخارجيا هناك اتصالات بدأتها واشنطن مع بعض المعارضين مثل محمد البرادعي، وهناك دعوة من مجلس الشيوخ الأميركي أعلنها صراحة السناتور جون كيري بضرورة تنحي مبارك، وتسريب من لندن بأن سياسات مبارك مخيبة للامال، والرسالة الأكثر وضوحا جاءت من اسرائيل التي حثت قبل يومين واشنطن والحكومات الأوروبية على دعم مبارك، ليعلن بالأمس رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ان على الاسرة الدولية ان تطلب من اي حكومة مصرية جديدة احترام معاهدة السلام التي ابرمت مع اسرائيل قبل ثلاثين عاما. وربما تكون النصيحة الأكثر مواساة لمبارك تلك التي وجهها إليه رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية الذي قال له إن البقاء لله وحده. وكل تلك إشارات ومؤشرات على أن لحظة التغيير اقتربت.


قد تكون المعارضة متشددة حتى الآن في مطالبها، فهي لاترضى بأقل من أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية السلطة كرئيس انتقالي وان تتولى حكومة مؤقتة اجراء انتخابات برلمانية. وتنظم انتخابات رئاسية بعد تعديلات دستورية يجريها البرلمان. فيما تتجه السلطة لمزيد من الليونة وتقديم المزيد من التنازلات أبرزها حتى الآن بدء نائب الرئيس عمر سليمان بعقد اجتماعات مع ممثلي الأحزاب، كما أن مكتبه يجري اتصالات مع مجموعات من المحتجين في ميدان التحرير، ومن المتوقع أن يتحدث مبارك نفسه في خطاب بمثابة "جرعة تهدئة" جديدة للاعلان عن عدم الترشح لولاية جديدة والتأكيد على عزمه تحقيق مطالب المحتجين، لكن هل سينجح ذلك في تهدئة ثورة الغضب، أم أنه السيف قد سبق العذل.