أقل ما يمكن قوله حول ما يشهده العالم العربي من أحداث هذه الأيام أنه دخل في خضم مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بنهاياتها وانعكاساتها الداخلية والإقليمية والدولية.
غني عن القول ان العالم العربي يشهد احتلالا في العراق وفلسطين وانقساما على أسس عرقية في السودان ولبنان ومعارك داخلية في اليمن واحتجاجات شعبية متواصلة في الكثير من أقطاره لتوصيف ما يجري بأنه خطير جدا وينذر بكارثة بل كوارث.
مع بداية السنة الجديدة التي نشهد اليوم نهاية شهرها الأول وبينما كانت العيون مسلطة على اكبر بلد عربي من حيث المساحة السودان الذي يجري استفتاء مصيريا انتهى كما هو معروف الآن بانفصاله الى دولتين في الشمال والجنوب أنهى الشعب التونسي بثورة شعبية حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي منهيا حكما دام 23 عاما ومسدلا الستار على فقاعة كبيرة او أكذوبة كبيرة تبنتها المؤسسات الدولية وخصوصا البنك الدولي التي قدمت تونس كنموذج ناجح اقتصاديا وبلد مستقر نسب النمو فيه مرتفعة لنكتشف ان وراء ذلك فقرا مدقعا وبطالة مرتفعة وقبل ذلك حكما بوليسيا كمم أفواه الشعب التونسي طويلا.
قبل ان تلتقط الشعوب العربية أنفاسها من حجم المفاجأة التونسية وتبدأ في تحليل أبعادها وإمكانية انتقال الثورة الى بلدان عربية أخرى وهو الاحتمال الذي جرى نفيه من قبل السلطات الرسمية العربية التي تمترست خلف مقولة ان "الوضع التونسي مختلف " اشتعل الشارع المصري محتجا مطالبا بالتغيير والإصلاح ورحيل النظام القائم وهي الاحتجاجات التي ما زالت قائمة حتى هذه اللحظة تراقبها الحكومات العربية بصمت ويراقبها معها الشارع العربي الذي وجد في وسائل الاتصال الحديثة فرصة ليكشف عن شوق جارف للحرية والكرامة ولقمة العيش والحياة الكريمة.
ما يجب ان تدركه النخب العربية الحاكمة ان ما كان ممكنا قبل الثورة التونسية لم يعد ممكنا بعدها وان مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي ومحاربة الفساد وتحقيق مبدأ تداول السلطة وحماية حقوق الإنسان وكرامته أصبحت عناوين لا مفر منها ولا مفر من اتباعها إذا أريد تجنيب المنطقة العربية مزيدا من الخضات المؤلمة التي قد تذهب بالبلاد والعباد.
ثورة مصر أثبتت ان ثورات الياسمين مرشحة للامتداد الى أكثر من بلد عربي بل إن الشارع العربي بات يتداول أسماء الدول العربية المرشحة للثورة اذا استمرت حالة الإنكار الرسمي لحالة البؤس والفقر وانعدام التنمية وفرص العمل وغياب الحريات وقمع المعارضة التي تعشش في العديد من الدول العربية.. لنتعظ بما حدث ويحدث ولتبدأ الحكومات العربية بالتغيير بإرادتها قبل أن يفرض عليها بغير إرادتها وعندها سيكون حسابها عسيرا مع شعوبها