في الأزمات، لا بد من العودة إلى البدايات لإستكشاف حقيقة ما يجري. عند إنتهاء الإنتخابات النيابية عام 2009، جاءت النتيجة واحدٌ وسبعون نائباً لقوى 14 آذار وسبعةٌ وخمسون نائباً لقوى الثامن من آذار.

عند تشكيل الحكومة لم تأتِ عملية التشكيل وفق موازين القوى التي أفرزتها الإنتخابات حيث كان على الأكثرية أن تُشكِّل الحكومة والأقلية أن تُعارض، لكن الذي جرى أن الأكثرية ضحَّت بهذا الأمر لمصلحة التوافق فوُلِدت حكومة غريبة عجيبة يمكن شلُّها في كل دقيقة إنطلاقاً من بدعة الثلث المعطِّل. دفعت الأكثرية ثمن هذه التضحية من خلال تعطيل الحكومة في أكثر من مناسبة، وبدأ التعطيل يتدرَّج صعوداً إلى أن بلغ منذ نحو ثلاثة شهور رفض إنعقاد مجلس الوزراء إذا لم يوضَع بند شهود الزور بنداً أول في قائمة جدول الأعمال.

بلغ التعطيل ذروته بإستقالة وزراء قوى الثامن من آذار، لكن هذه الإستقالة لا تُسقِط الحكومة لأنها تحتاج إلى الحادي عشر المعطِّل، فجاء الإنقاذ من الوزير الذي يُفتَرَض أن يأتمر بأوامر رئيس الجمهورية، وهنا إكتشفت الأكثرية أن الوزير المذكور لم يكن سوى وديعة من قوى 8 آذار أودعتها في حصة رئيس الجمهورية لتستخدمها في الوقت المناسب، وقد فعلت ذلك.

لم تكتفِ قوى الثامن من آذار بقضم الحصة الوزارية، ليس بالديمقراطية طبعاً، بل توسعت في القضم في اتجاه الحصة النيابية للأكثرية، وليس بالديمقراطية طبعاً، فرضخ النائب وليد جنبلاط وانتقل إلى قوى الثامن من آذار مع ستة من كتلته لأن الآخرين من هذه الكتلة بقيوا على وفائهم لقوى الرابع عشر من آذار، فكان هذا الإنتقال القسري هو السبب الأساسي الذي رجَّح تسمية مرشح قوى 8 آذار.

إنطلاقاً من هذه الوقائع فإن التغيير الذي يحصل ليس سوى تغيير بالقهر والقسر، والمشكلة أن المؤسسات الدستورية تُسلِّم بهذا القهر بدلاً من أن تعالج مسبباته، وهذا ما يجعل يوم غضب واحد متنفَّساً للذين يعتبرون أن ما يجري هو إنقلابٌ بالأدوات الدستورية، وعليه فإن المعالجات يُفتَرَض أن تتناول جوهر المشكلة المتتالية وليس فقط الظواهر.

يُدرِك الرئيس سعد الحريري كل هذه الحقائق، وهو يحاول أن يستوعب ما يجري إنطلاقاً من ثوابت عدة من أبرزها أن ما يجري هو خروج عن الأعراف والتقاليد السياسية اللبنانية، كما أنه ضربٌ لإنجازات ثورة الأرز، وعليه فلا بد من مواجهته أياً تكن الإعتبارات والظروف وذلك وفاء لآمال المليون لبناني الذين ملأوا الساحات، ووفاء للذين استُشهدوا.

إنتهت الإستشارات لتبدأ الأزمة.