يردد كثير من الحقوقيين أن القانون الدولي يعلو على القوانين المحلية، ويسبقها في التطبيق إذا تعارضت النصوص فيهما. لكن قوانين إسرائيل تبدو استثناء من ذلك على طول الخط. ومن الشواهد الاخيرة على ذلك تقرير لجنة (تركل) الاسرائيلية التي تولت التحقيق في الهجوم الدامي الذي شنته قوات الاحتلال الاسرائيلي على السفينة التركية "ما في مرمرة" في مايو الماضي وهي في طريقها ضمن قوافل كسر الحصار على غزة.
فقد برأت اللجنة اسرائيل من المسؤولية معتبرة ان الحصار البحري المفروض على قطاع غزة قانوني ومتوافق مع القانون الدولي ولا نعلم نصا في القانون الدولي يبيح حصار مليون ونصف المليون طفل وامرأة وشيخ مسن، وقصفهم بالقذائف المحرمة دوليا، ويعتبره عملا مشروعا، كما لا نعلم نصا في القانون الدولي يبرر الهجوم على سفينة مدنية في المياه الدولية، لمجرد الظن بأنها تشكل خطرا على أمن اسرائيل. وعلى الرغم من ان التحقيق لم يكن مستكملا كل جوانبه إلا ان التقرير صدر بالبراءة القاطعة، حيث لم يكن مسموحا للجنة "تركل" بالاطلاع على تفاصيل صناعة القرار السياسي والعسكري الذي أدى الى المذبحة، واذا كان مدبرو المذبحة بمنأى عن المساءلة فما هو دور اللجنة إذاً؟ وما مدى مصداقية النتائج التي توصلت اليها؟
على أية حال لا نستغرب موقف اللجنة، فهي أعدت خصيصا على مقياس المنظور الاسرائيلي الذي يرى في المليون ونصف المليون فلسطيني مدني محاصر مجرد إرهابيين أو مشروع إرهابين بالنسبة للأطفال، وقد سبق ان افتى احد حاخامات اسرائيل بقتل اطفال الفلسطينيين باعتبارهم سيصبحون إرهابيين حينما يكبرون، وعلى أساس هذه التأويلات الدينية و(القانونية) يجرى تكوين الذهنية الاسرائيلية والعقيدة القتالية لدى جنود الاحتلال الاسرائيلي، الذين تتوفر لهم الصلاحيات لإطلاق النار في كل الأحوال ودون تردد أو خوف من العقاب.
ولو كانت اسرائيل صادقة في التوجه نحو التحقيق الشفاف لقبلت بتشكيل لجنة دولية للتحقيق، لكن المجتمع الدولي غالبا ما يغمض عينيه حين يرتقي القانون الاسرائيلي متن القانون الدولي ويقوده الى حيث يشاء كما تقاد الدواب.
إن قضايا حقوق الانسان لا تبلى ولا تسقط بالتقادم وسيظل كشف الحساب يعمل وقوائم الخروقات الاسرائيلية تتضخم حتى تتغير الموازين الدولية القائمة بضغط الضرورة وحتى يستفيق المجتمع الدولي من حالة التخدير التي يعيشها في ظل التكثيف الدعائي التضليلي للإعلام الغربي والاسرائيلي، وفي ظل العنتريات السياسية التي تزعم أن جرائم اسرائيل في حق الانسانية ما هي إلا "دفاع عن النفس" وهو منطق بائس لا يصمد أمام التفنيد المنهجي لأبعاد السلوكيات العسكرية والسياسية في إسرائيل والعواصم التي تؤيد عدوانها في الخفاء بينما تعطي الفلسطينيين من طرف اللسان حلاوة.