الدهشة التي أصابت الوفد المرافق لوزيرة الخارجية الفرنسية إلى غزة أمس هي بدورها تثير الدهشة، فهل كان الوفد يتوقع أن يقابل أهل غزة مسؤولين أوروبيين يصرحون بأن احتجاز شاليط جريمة حرب، يقابلونهم بالورود، ويفرشون لهم السجادة الحمراء ـ هذا إذا وجدت في غزة سجاجيد حمراء غير تلك المنقوعة في دماء الشهداء .
لقد أصبحت آلام الشعب الفلسطيني بمثابة مادة للحديث المرتبك للدبلوماسية الغربية باعتبارها (حسن تخلص) من المأزق، والمأزق هنا هو إدراك أن الشعب الفلسطيني يواجه حربا عالمية بقيادة إسرائيل باستخدام القوانين الناعمة والخشنة على السواء. وموقف الوفد الفرنسي برئاسة إليو ماري يمثل موقف الاتحاد الاوروبي الذي يتبنى مواقف اسرائيل بالكامل ويداهن الفلسطينيين بعبارات دبلوماسية عن (إقامة دولة قابلة للحياة) ومازال العرب يتساءلون عن مغزى مصطلح (قابلة للحياة) وهل يكون ذلك تبريرا استباقيا لتمزيق كيان الدولة الموعودة بالمستوطنات اليهودية ثم يقول الغرب: ها هي دولتكم قابلة للحياة، فتستطيعون إنشاء أنفاق وجسور لتصلوا من (كانتون) الى آخر ضمن الدولة الفلسطينية الممزقة الاشلاء ولكنها لا تزال تتنفس؟.
ليس فقط التعبيرات هي التي تدل على ازدواجية المعايير في الأداء الاوروبي، بل ايضا المواقف، فترديد مقولة التوصل الى حل سلمي عبر المفاوضات هي حق يراد به باطل، لأن الاوروبيين يعلمون انهم امام طرفي مفاوضات غير متوازني الثقل، فدولة قوية تملي شروطها التعجيزية هي اسرائيل، وشعب فلسطين مطلوب منه ان يتنازل ويتنازل ثم لا يبقى له إلا الفتات، فيبشرونه بهذا الفتات على انه مائدة عامرة تنازلت عنها اسرائيل بطيب خاطر من خلال المفاوضات.
ولماذا لا يعترف الاتحاد الاوروبي صراحة بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 كما اعترف غيرهم؟ للأسف انهم ينتظرون إشارة من اصبع اسرائيل كي يتحركوا في أي اتجاه، واذا كان الوفد الفرنسي قد اصابته الدهشة للمظاهرات التي قوبلوا بها في غزة، فإن العالم كله قد اصابته الدهشة ايضا حين قتلت اسرائيل مواطنا فرنسيا من اصل فلسطيني عند حاجز الحمراء بمنطقة جنين بتركه يتألم حتى الموت لأنه فرنسي من اصل فلسطيني، وذلك في يونيو من العام الماضي.
مثار دهشة العالم انه يقارن بين موقف باريس من (شاليط) بجنسيته الفرنسية وموقفها من الفرنسي من اصل فلسطيني محمد العليات الذي لم يشفع له جواز السفر الفرنسي، لإنقاذ حياته، فباريس تنتفض للدفاع عن حياة شاليط وتتجاهل حياة مواطنها الآخر (العليات) لان ذاك يهودي، وهذا عربي، فهل ثمة مبرر لدهشة الوفد الفرنسي من غضب سكان غزة الذين هم محاصرون بكل المصائب، ولكنهم لم يفقدوا عزيمتهم الوطنية وحسهم النضالي مهما كانت الظروف، فهذا هو معدن الشعب الفلسطيني الذي يعرف طريقه جيدا نحو الحفاظ على حقوقه، والنضال في سبيلها بكل الوسائل المشروعة، وليظل الانحياز الفرنسي والأوروبي لاسرائيل قائما حتى اذا استقل الفلسطينيون بدولتهم، لا يمن عليهم احد بأنه مد لهم يد المساعدة. وليظل الاتحاد الأوروبي مهتزا ومشوشا بتأثير الضغوط الاسرائيلية حتى يعترف العالم بالدولة الفلسطينية وتظل اوروبا والولايات المتحدة عنوانا للتراجع والتضليل السياسي وضعف القرار، وإلى أن يعترفوا بالاسباب الحقيقية التي تجعلهم يقدرون موقف الشعب الفلسطيني بدلا من ادعاء الدهشة لتصرفاته الغاضبة.