رغم أن الخطاب السياسي في الدول الغربية يقوم أساسًا على حماية حقوق الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه وعقيدته، إلا أن الممارسة السياسية لهذه الدول تتعارض تمامًا مع ما يرفع من شعارات. وقد بدا ذلك واضحًا في الآونة الأخيرة من خلال تحركات المسؤولين الأوروبيين وتصريحاتهم الرامية إلى اتخاذ خطوات مشتركة من أجل ما أسموه "حماية مسيحيي الشرق الأوسط" عقب دعوة بابا الفاتيكان للاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف موحد لحماية مسيحيي الشرق مما اعتبره البابا "اضطهادًا"، كما اعتبره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "ما بات يشبه خطة للتطهير الديني".


والحقيقة أن الأزمة وإن بدت ذات ملمح ديني، إلا أنها أزمة سياسية في الحقيقة، وليس لها أي علاقة بالأديان أو الاضطهاد أو التطهير العرقي أو أي من دلالات مثل هذه التصريحات الرنانة. فمسيحيو الشرق كانوا يعيشون في سلام قبل أن تأتي القوات الأميركية وتسبب كل ذلك التوتر والخلل الأمني والسياسي في دول مثل العراق وأفغانستان، ولم يهتم أحد بالدعوة إلى حماية أرواح العراقيين أو الأفغان أو الفلسطينيين ومن بينهم مسيحيون، حينما كانت تقصفهم القوات المتحالفة بقيادة الولايات المتحدة بالقنابل الثقيلة والصواريخ والقذائف المغلفة باليورانيوم المنضب.

أو حينما كانت إسرائيل تقصف (كنيسة المهد) مسقط رأس المسيح بسبب أن الرهبان فيها آووا إليهم بعض الهاربين من القصف الإسرائيلي، ولم نسمع دعوة من الفاتيكان أو أي عاصمة أوروبية أو أميركية لحماية الكنائس والمسيحيين من القذائف الإسرائيلية، والملاحظ لنا أن من قصف (كنيسة المهد) هو جيش نظامي احتلالي لدولة عضو في الأمم المتحدة، لكنها عضو مطلق السراح ومعفي من أي مساءلة مهما قتل وأوقع من مذابح، كذلك يمكن القول في حالة غزو العراق وأفغانستان، فإن القذائف المتساقطة لم تميز بين مسيحي أو مسلم أو أيًّا ما تكن عقيدته، فالهدف سياسي احتلالي يرتبط بمصالح دول عظمى وأخرى إقليمية ولا دخل للأديان في ذلك مطلقًا.

وفي ظل نظام البعث كان المسيحيون العراقيون يعيشون في أمان، وبعد الغزو هاجروا للنجاة بأنفسهم من الفوضى التي أحدثها الاحتلال العشوائي ولجأوا إلى سوريا والأردن ولبنان وكردستان، وهي مناطق ذات أغلبية إسلامية وعاشوا في سلام مع إخوانهم من الأديان الأخرى، الأمر الذي يجعل تصريحات رؤساء الدول الأوروبية وبخاصة الفانيكان وفرنسا غير ذي مصداقية. أما الاعتداء على كنيستي سيدة النجاة في العراق والقديسين في الإسكندرية بمصر، فالمسؤول عنهما جماعات إرهابية مدانة، ويحكم عليها بأقصى العقوبة حين يتم القبض على أعضائها ضمن حملة مكافحة الإرهاب التي تتبناها كافة الدول العربية تحت راية الأمم المتحدة ومواثيقها، وباعتبارها خطرًا على الأمن القومي في الأساس، ومن ثم فالأجدى من ذلك اللجوء إلى ترتيب دولي شامل لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله واحترام حقوق الإنسان بكل أطيافه من أجل أن يعم السلام والأمن ربوع العالم، دون إنكار للحقائق على الأرض، ودون خلط بين ما هو ديني وما هو سياسي.