الأدوات التقليدية للدول الكبرى للهيمنة على غيرها من الدول الأصغر أضيفت إليها أداة حديثة نسبيًّا، ألا وهي (معزوفة حقوق الإنسان)، وأخذ الحديث عن حقوق الإنسان طريقه إلى المؤتمرات والاجتماعات والترتيبات التي تجريها تلك الدول للحفاظ على مصالحها، ومن يساير تلك المصالح من الدول الأخرى فهو مشمول في حظيرة من يحترم حقوق الإنسان، ومن يخالف يصبح من أعداء الإنسان، ولم يمل الإعلام الغربي لحظة عن ترديد هذه المعزوفات خاصة تجاه دول في الشرق الأوسط والوطن العربي تحديدًا.
بالمقابل كانت الدول التي تكافح من أجل الاستقلال، حالما تحصل على استقلالها تؤسس جهازها الإعلامي الخاص بها والقائم على تمجيد الذات وتعظيم الشعور الوطني لدى الشعوب، وإعطائها انطباعًا بأنهم غادروا جحيم الاستبداد الأجنبي إلى جنة الديمقراطية الوطنية.
والآن وبعد ثورة المعلومات والفضاءات المفتوحة، لم تعد لا هذه الأدوات ولا تلك صالحة لمخاطبة الجماهير التي تطالب بتحقيق وتلبية حاجاتها الأساسية، وما لم يتوافق الفعل على الأرض مع الشعارات المرفوعة فإن النتائج تكون وخيمة، كما أثبتت الأحداث العالمية والإقليمية مؤخرًا.
إلا أن بعض الدول والمنظمات الدولية لا يزال يتحدث عن حماية حقوق الإنسان كحق يراد به باطل، ومن ذلك أصوات في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تطالب بحماية الأقليات في الشرق، ومقصود بالشرق هنا الدول العربية في الغالب الأعم، الأمر الذي يعتبر تدخلًا سافرًا في شؤون دول مستقلة ذات سيادة، مع أن بعض المطالبين بهذه المطالب استنكفوا التدخل في شؤونهم حين اعترض غيرهم على قرارات مثل رفع الأسعار أو إبعاد طبقات اجتماعية بعينها مثل الغجر أو المهاجرين غير الشرعيين.
وقد لامس مؤتمر القمة العربية الاقتصادية في شرم الشيخ أمس هذه القضية بعد أن وقعت أحداث لم يكن من الممكن تجاهلها مثل أحداث التحول في تونس منتصف هذا الشهر.
لكن بالمقابل هناك تحديات لا بد من الاعتراف بها في الجانب العربي تقتضي العمل بجد ودأب على معالجتها، مثل مصادر الغذاء والمياه وتوفير فرص العمل، وتحقيق تطلعات الشعوب العربية إلى الوفاء بالحاجات الأساسية للعيش دون تجاهل أو تبسيط للأمور. فالسفينة تضم الجميع، ولن يكف الغرب عن سياساته الدعائية، لكن على الجانب العربي أن يحبط هذه السياسات بتحقيق بنود البيان الختامي للقمة الاقتصادية والاجتماعية الثانية التي عقدها القادة العرب أمس في شرم الشيخ بمصر.
إن مشاكل الوطن العربي عديدة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، وهي متراكمة بسبب الانشغال في النضال من أجل التحرير والاستقلال، وبناء الدولة الحديثة، ومواجهة اعتداءات لا تزال مستمرة على دول عربية متعددة.
وربما كانت كلمات القادة العرب في القمة شارحة هذه المرة على نحو أكثر وضوحًا ومباشرة إلى حد وصف ما حدث للنفس العربية بأنه (انكسار)، وما حدث لبرامج التنمية المتراجعة في بعض الدول على أنه أزمة صراع من أجل البقاء، وحماية الأمن القومي العربي أكثر من كونه سعيًا من أجل التطور والتقدم.
وإذا كان برنامج الدعاية الإعلامية والسياسية ضد المصالح العربية لا يزال قائمًا في الخارج، فإن الحقيقة تقول: إن الوضع الداخلي العربي ومدى قوته أو هشاشته، هو الذي ينعش هذه الدعاية أو يحبطها. وما زال في التكامل العربي متسع كبير لكل طالب حاجة، فقط ينبغي نقل البيانات والقرارات من أروقة القمم العربية إلى الواقع العملي التنفيذي بنوايا صادقة وشفافية في السلوك والأداء، فإذا صدقت النوايا انحلت جميع القضايا، ولو نجحت مسيرة التكامل العربي كما أرادت له قمة شرم الشيخ أمس وقمة الكويت الاقتصادية السابقة عليها لما كان للادعاءات الغربية أي أثر على أمننا القومي.