في الوقت الذي تلتئم فيه القمة الاقتصادية الثانية اليوم في مدينة شرم الشيخ المصرية، وهي القمة التي حرصت جمهورية مصر العربية الشقيقة على توفير كل ما يمكن أن يساعد على إنجاحها والخروج بإضافات حقيقية للجهود العربية الرامية إلى تحقيق مزيد من التكامل بين الاقتصادات العربية وبشكل حقيقي ومفيد، فإن الكثير من أنظار العرب تتجه صوب العاصمة اللبنانية بيروت، وصوب لبنان ككل، بالنظر إلى ما تمر به الساحة اللبنانية من تطورات، لا يختلف أحد على دقتها وحساسيتها وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج وآثار تتجاوز لبنان إلى المحيط العربي من حولها.

وإذا كان الجميع يدرك ويتابع ما جرى ويجري في الساحة اللبنانية، ومن حولها أيضا، خاصة بعد تسليم القرار الاتهامي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 من قاضي التحقيق دانيال بالمر إلى قاضي الإجراءات دانيال فرانسيس تمهيدا لصدور القرار بعد التأكد النهائي من حيثياته، وما استند إليه من أدلة اتهامات ثبوتية، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن الساحة اللبنانية تمر بالفعل بأيام صعبة، وشديدة الحساسية، وأيضا شديدة القابلية للتصعيد والاشتعال من مستصغر الشرر.

ولعل هذا الادراك العميق لما يمكن أن يحدث من تفاعلات ومخاطر هو الذي حدا بالرئيس اللبناني العماد ميشيل سليمان إلى تأجيل الاستشارات النيابية الخاصة بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة التي كان مقررا لها أمس الأول إلى يوم الاثنين القادم من أجل أن تتاح الفرصة للاتصالات والجهود المبذولة لأن تصل إلى نتيجة أو على الأقل لكي تخفف من حدة التوتر الراهنة وتوفر مناخا مواتيا بشكل أكبر لتسهيل تلك المشاورات والوصول منها، وبها إلى توافق لا غنى عنه بين الأطراف اللبنانية. يضاف إلى ذلك أنه لم يكن مصادفة أبدا أن يؤكد الرئيس اللبناني على مسؤولية اللبنانيين أولا في التوصل إلى حل وإلى صيغة تلتقي عليها كل الأطراف اللبنانية المحكومة بضرورة العيش معا وفي إطار لبنان الذي اتسع دوما لكل طوائفه وفئاته وقواه السياسية والاجتماعية والدينية بفضل تفهمها جميعها لحقيقة أنه من غير الممكن لأي منها أن تنفي الآخرين أو بعضهم أو أي منهم بشكل خاص.

على أية حال فإنه مع الوضع في الاعتبار الجهود التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية وسوريا خلال الأسابيع الماضية من ناحية، والجهود التي تبذلها الآن كل من دولة قطر وسوريا وتركيا، حيث عقدت قمة ثلاثية في دمشق أمس الأول بين قادة الدول الثلاث من ناحية ثانية، وتتواصل جهودهم من خلال زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني ووزير الخارجية التركي إلى بيروت أمس للتشاور مع القيادات اللبنانية، فإنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن الحفاظ على الهدوء والاستقرار في لبنان هو في المقام الأول مسؤولية مشتركة لكل الأطراف والقوى اللبنانية، ومن ثم فإن هذه القوى وفي مقدمتها حزب الله اللبناني وتيار المستقبل مطالبة بضرورة العمل من أجل احتواء أية توترات أو محاولة انفلات قد تحدث لسبب أو لآخر ومساعدة الجيش اللبناني للقيام بدوره في الحفاظ على الاستقرار والأمن في لبنان، ليس فقط لأن مصلحة لبنان - كل لبنان - تقتضي ذلك، ولكن أيضا لأن التحرك من جانب أي طرف قد يولد رد أو ردود فعل من طرف أو أطراف أخرى مما يدخل لبنان في تفاعلات هو في غنى عنها الآن بالذات. ومن هنا فإن القيادات اللبنانية جميعها مدعوة لبذل كل ما تستطيعه للحفاظ على هدوء وأمن واستقرار لبنان لأن البدائل الأخرى جميعها لن تكون في صالح لبنان ولا في صالح أي من القوى اللبنانية دون الأخرى