انهيار الحكومة اللبنانية شكل أكبر دليل على أن كثرة التدخلات الغربية في شؤون لبنان يمكن أن تكون عواقبه وخيمة، خاصة فيما يتعلق بمسألة القرار (الظني) وجهود بعض العواصم الغربية لإخراج قرار المحكمة الخاصة بالتحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري على نسق يدين جماعات أو دولا بعينها موضوعة على لائحة خصوم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي التقليديين ـ حتى قبل ارتكاب تلك الجريمة المشؤومة ـ وهي نفس الأسماء التي ترددت يوم الجريمة على نحو استباقي أثار الشكوك.

انهيار الحكومة اللبنانية شكل ايضا نذير انفجار مدو على صعيد التوازنات السياسية الحساسة بين الكتل اللبنانية الفاعلة بما ينذر ببوادر تجدد الحرب الأهلية، ودون شك فإن الدول الغربية تبدو ضالعة في الدفع بلبنان الى هذه الهاوية كما اكدت المساعي السابقة. ومن هنا يبدو الدور الإقليمي وجهود دول الجوار هي السبيل الأكثر أمنا لمعالجة الازمة السياسية اللبنانية بما وصلت اليه من مستوى شديد الخطورة عقب انسحاب وزراء بعض الكتل، والذي أدى إلى انهيار الحكومة بكاملها.

ومشكلة الدول الغربية انها تنظر الى الملف اللبناني بعيون المصالح الاسرائيلية ومن ثم يغيب عن عقولهم تماما مسألة امن لبنان وصيانة سلمه الأهلي اما الدول الواقعة في المنطقة والتي تقوم بمساع حميدة لحل الزأمة اللبنانية فهي لا ترى لها أية مصلحة في توتر الأوضاع بلبنان، ومن ثم فإن هذه الدول مرشحة للقيام بدور الوسيط النزيه، وبدا ذلك واضحا فيما يعرف بمسار (س.س) او الوساطة السعودية ـ السورية التي قطعت شوطا لا يستهان به للحفاظ على لبنان بمنأى عن الوقوع في الفخاخ التي تحاك له في عواصم إسرائيل واميركا واوروبا، رغم ان جميعهم يزعم بأنه يريد مصلحة لبنان، وهذا أمر لا تثبته الوقائع على الارض.

ورغم ان المساعي السورية السعودية كانت قد أنجزت شقا كبيرا من مهمة الإنقاذ الا ان تأخرها وتداول الأنباء عن عدم توصلها الى خطوط واضحة المعالم، ألمح الى عودة الضغوط الغربية من جديد. لكن القمة السورية القطرية التركية التي عقدت في دمشق امس عادت لتؤكد ان الحل الحقيقي لأزمة لبنان ولكل الازمات لابد ان يكون محليا أولا، ثم اقليميا ثانيا، واستعداد الكتل اللبنانية للنأي بنفسها عن الانجرار وراء الطروحات الاجنبية القادمة من بعيد هو اول الطريق الى الاستقرار،ن كما ان تداول الملف اللبناني والبحث عن افضل الحلول له على مستوى قمة عربية اقليمية، يوفر مزيدا من فرص النجاح وتجاوز الصعوبات، مع الحذر من الاقتراحات التي تطير إلى لبنان عبر البحر المتوسط، او المحيط الاطلنطي، وبخاصة في الوقت الذي تكون فيه القمة الاقليمية او الوساطة العربية قد أثمرت ثمارها.

ان الحلول الوسط وتقديم بعض التنازلات من بعض اطراف الصراع تبدو ضرورة لتسوية ملف لبنان الأمني بما يحمل من حساسيات يستحيل معها إقصاء فصيل أو محاولة القضاء على آخر.

ومن الضروري الإشارة في هذا المجال إلى أن حتمية الحل الاقليمي لا تعني إلغاء الغرب أو تهديد مصالح الدول الأوروبية او الولايات المتحدة. وإذا صدقت نوايا الغرب في مساعدة لبنان فليتركوه وشأنه يختار قياداته بنفسه كما يختار بنفسه من يساعده على الخروج من أزماته المتلاحقة، ويكفي ما سببته الاصابع الاسرائيلية والأوروبية والاميركية لهذا البلد العربي الشقيق من مآسٍ، فافسحوا الطريق للدول العربية ودول الجوار المخلصة كي تحمي لبنان وتخفف من معاناة شعبه التي طالت وازدادت تعقيدا.