بالرغم من أن اسرائيل هي التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية التي منذ عدوان يونيو 1967، وبالرغم من أنها هي القوة المعتدية والتي ينبغي لها أن تنسحب من تلك الأراضي التي طال احتلالها، إلا أنه من الغريب أن تلجأ اسرائيل إلى الأمم المتحدة لتشتكي من تزايد عملية اطلاق الصواريخ من قطاع غزة المحتل في اتجاه الأراضي والمدن الاسرائيلية، فقبل أيام اشتكت اسرائيل حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة المحتل.

ومن الواضح أن الهدف من لجوء اسرائيل إلى الأمم المتحدة التي لم تنفذ يوما قرارا من قراراتها العديدة والمتكررة، لم يكن ايمانا اسرائيليا مفاجئا بالمنظمة الدولية، ولا رغبة في احترام قراراتها التي طالما دعت اسرائيل الى الجلاء عن الاراضي المحتلة، ولكن الهدف هو مجرد تسجيل مواقف اعلامية من أجل تبرير لجوء اسرائيل الى عمليات تصعيد تخطط لها منذ عدة أشهر من أجل أن تهرب من استحقاقات عملية السلام، ومن المطالبات الامريكية المتكررة لها بضرورة استئناف المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين للتوصل إلى اتفاق لإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل.

وإذا كانت حركة حماس الفلسطينية قد أكدت بشكل واضح وعلى لسان كبار قادتها أنها ملتزمة باتفاق التهدئة مع إسرائيل حاليا، وذلك حتى تفوت الفرصة على حكومة نتانياهو التي استمرت في حشد قواتها على حدود قطاع غزة المحتل، إلا أنه من الواضح أن هذه المواقف من جانب حركة حماس لم تنجح في وقف عملية التصعيد الاسرائيلية المتمثلة في القيام بشن عدد من الغارات الجوية، سواء على مواقع تدريب لكتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، أو على مواقع الأنفاق بين قطاع غزة المحتل والأراضي المصرية من أجل وقف ما تسميه اسرائيل بعمليات التهريب عبر الأنفاق والتي ترى فيها اسرائيل تهديدا كبيرا لها باعتبار أنها ساهمت في توفير أسلحة وصواريخ ذات مدى أطول لحركة حماس يمكن من خلالها ضرب مزيد من المدن في جنوب اسرائيل.

جدير بالذكر أنه من المعروف على نطاق واسع أن حكومات اسرائيل المتعاقبة لم يسبق لها أن لجأت إلى الامم المتحدة أو إلى المجتمع الدولي، لأن المجتمع الدولي يناشدها على امتداد سنوات طويلة الجلاء من الاراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها منذ ثلاثة وأربعين عاما، ولذا فإن اسرائيل تريد إدخال المنطقة في عملية تصعيد يمكن ان يتسع نطاقها لتتجاوز حدود قطاع غزة المحتل، خاصة مع اقتراب الاعلان عن القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وما قد يترتب على ذلك من ردود أفعال على الساحة اللبنانية تتحسب اسرائيل لها منذ الآن بشكل أو بآخر.

يضاف إلى ذلك أن عملية التصعيد الاسرائيلية المتواصلة هذه من شأنها أن توقف، أو على الأقل تعطل الحديث الأمريكي عن استئناف المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين لمدة أخرى، على أمل إدخال الادارة الامريكية في النصف الثاني من فترة رئاسة الرئيس باراك اوباما، ومن ثم الحد من قدرة إدارته، ومن قدرته هو أيضا على الضغط على حكومة نتانياهو لاتخاذ خطوات عملية للوفاء باستحقاقات السلام، وبالتالي يتجمد الوضع الراهن أو يستمر على ما هو عليه لأطول فترة ممكنة خاصة وأن الجانب الفلسطيني لا تتوفر له الآن القدرة على بناء موقف مؤثر بشكل حقيقي في المواقف الاسرائيلية بسبب استمرار الانقسام بين فتح وحماس.

 وبذلك قد تدخل المنطقة في مرحلة من التصعيد وعدم الاستقرار.