ليس من شك في أن ما ترتب عن التعنت الاسرائيلي من جمود لعملية السلام، له انعكاسات خطيرة على الأوضاع في المنطقة كلها. وفي حين أن الشعب الفلسطيني هو المتضرر الأكبر من هذا الوضع الجامد، حيث يستمر الاحتلال المزمن، ويتوسع الاستيطان ليلتهم المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية، ويطرد عائلات فلسطينية من بيوتها ليسكنها المستوطنون الوافدون، وتهدم المنازل والعقارات، في غياب أي شرعية أو منطق أو إنسانية.

وبموازاة معاناة الشعب الفلسطيني التي هي الأسوأ والأقسى، هناك شعوب عربية شقيقة تكتوي بنار حالة القلق وعدم الاستقرار، لا سيما الدول المحيطة بفلسطين التاريخية، والتي تعرف بدول الطوق- ومنها الأردن وسوريا ولبنان ومصر. وهي دول ارتبطت، تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، بالقضية الفلسطينية، ودفعت أثمانا باهظة لنصرة الشعب الفلسطيني على مدى ما يزيد عن ستة عقود.

الأردن الشقيق، مثلا، يعاني اقتصاديا نتيجة غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية، وهناك جوانب أخرى لهذه المعاناة يتحملها الأشقاء في الأردن بسبب العلاقة الخاصة، والمتميزة، بين الشعبين الفلسطيني والأردني.

وسوريا الشقيقة تبذل كل الجهود لاسترجاع الهضبة السورية المحتلة خلال حرب ١٩٦٧، ولو تم التوصل إلى التسوية العادلة للقضية الفلسطينية فإن ذلك سيعود بالكثير من المنافع على دول الطوق كلها، ومنها سوريا.

ولا ننسى ما دفعته مصر الكنانة من أثمان باهظة في الأرواح والإمكانات، من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ولبنان الشقيق يعيش أزمات متلاحقة بسبب جواره لاسرائيل، وطبيعة تركيبته الطائفية. ومع ذلك فقد كان سندا لشعبنا وما يزال.

ولعل الأزمة الراهنة في بلاد الأرز ترتبط بالوضع السائد في المنطقة، وخصوصا جمود العملية السلمية. وربما تكون الأسباب الحالية للأزمة متعلقة بالمحكمة الدولية، والقرار الظني بخصوص اغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري، لكن أجواء التوتر التي تخيم على المنطقة لها مفعولها القوي والسلبي على تداعيات الأزمة، في ظل الاستقطاب الراهن بين معارضة وموالاة، ومحور ايراني وآخر أميركي يتصارعان للهيمنة على العالم العربي.

وربما يحلو للبعض القول بأنه لا علاقة مطلقا بين هذه الأزمات وبين حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، لكن أي تحليل موضوعي لأبعاد الأزمات التي يعيشها العالم العربي عامة، ودول الطوق خاصة، يؤكد أن حل القضية الفلسطينية وتحقيق السلام العادل ،الذي يلبي التطلعات الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ستكون له انعكاساته الايجابية على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلسطينيا وعربيا وإقليميا.

وهذا ما يتوجب على الأسرة الدولية الضغط بقوة من أجل إنجازه، لأن غياب السلام هو الذي يعمق الأزمات في المنطقة، وخارجها أيضا. وليست هذه الحقيقة بحاجة لإثبات :لأنها تتحدث عن نفسها بمنتهى الوضوح، ودون أي مواربة.