يأتي المسئولون الدوليون إلى المنطقة ويروحون، وهم يعلمون قضايا ومواقف مضمرة، على خلاف المواقف الظاهرة، حتى إذا تدخلت كيمياء الأحداث، أفصحت عن ذلك المضمر، وفضحت الموقف المستور، وحددت أبعاد التناقض والمفارقات في مواقف بعض الدول، وقد تناولنا هذا الأمر وشواهد عليه في مقالات سابقة لكن أمس أضاف لقاء إقليمي ذي طابع دولي ضوءا جديدا يزيد تلك التناقضات وضوحا ويؤكد في نفس الوقت قدرة الجانب العربي المتنامية على إحباط كل المؤامرات المضمرة التي تساندها دول كبرى سرا. الموقف الذي افتضح أمس كان خلال منتدى مجموعة الثماني والشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا وفيما يعرف بـ (منتدى المستقبل).
ولأن إسرائيل توزع مهام تخريب أي منتدى دولي يسير بيانه الختامي في عكس رغباتها لذلك فهي أناطت الأمر هذه المرة بكندا التي تصدت لبند في البيان الختامي للمنتدى الذي انعقد في الدوحة أمس حول فلسطين يشير الى حدود الدولة الجديدة عند حدود عام 1967 في تحد سافر للقرارات الدولية التي تؤكد ان كافة الأراضي التي احتلت في حرب 1967 بواسطة قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة هي أراض فلسطينية واقعة تحت الاحتلال وتطالب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بضرورة انسحاب إسرائيل منها ومن ثم فهي أجزاء من الدولة الفلسطينية الجديدة، هذا هو الموقف الدولي المعلن الذي يفترض ان تحترمه كافة الدول الأعضاء في المنظمة الدولية لكن الذي تضمره إسرائيل وتقف كندا إلى جانبها فيه كما اتضح في اجتماع الدوحة أمس، هو ان حدود العام 1967 ليست حدود الدولة الفلسطينية الجديدة.
وتواصل إسرائيل فرض ذلك الطرح على الأرض بالاستيطان في أراض بعينها تريد انتزاعها عنوة من الفلسطينيين في أي تسوية نهائية وخاصة في القدس والضفة المحتلين وهذا الموقف المضمر هو الذي يفسر عجز العالم عن وقف الاستيطان الإسرائيلي وعجز المنظومة الدولية عن اتخاذ أي موقف يسهل إلى الحل السلمي لأزمة الشرق الأوسط كلها وعزل الأمم المتحدة عن الملف الفلسطيني وفرض شرط المفاوضات المباشرة كأساس لاتفاقات قيام الدولة الفلسطينية الجديدة. ورغم ان البنود المرفوضة بواسطة كندا في منتدى المستقبل امس كان المنتدى المماثل المنعقد في مراكش عام 2009 قد وافق عليها واعتمدها إلا ان إسرائيل لديها الآن مواقف جديدة تريد فرضها على المنطقة بالقوة لا غير وحسنا ما فعل الجانب العربي برفض الموقف الكندي والتمسك ببنود اصبحت مسلمات في القانون الدولي والمنتديات التي ترعاها الأمم المتحدة عليها ان تقبل بذلك حفاظا على مناخ السلم العالمي والإقليمي.
الآن قد يظن الإسرائيليون ومساندوهم ان الظروف الدولية مهيأة لفرض تغيرات على خارطة المنطقة بالقوة لكن موقف الأمس في منتدى المستقبل يشير إلى وهمية الظن الإسرائيلي وإمكانية تشكيل موقف عالمي أكثر قوة في مواجهة النوايا العدوانية الإسرائيلية حتى لو أدى الأمر إلى تفكيك كل المنتديات الدولية التي تشارك فيها إسرائيل وبها أطراف عربية مشاركة في نفس الوقت وهو موقف تغاضى عنه العرب مؤخرا في محاولة لإثبات حسن نيتهم واستعدادهم للتعامل مع إسرائيل كدولة شريكة في المنطقة إذا توصلت الأطراف الى تسوية سلمية عادلة للملف يضمن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.