إذا سارت الأمور بالنسبة إلى الوضع الداخلي اللبناني وفق ما هو معلن من مواقف وتصريحات ومقابلات، فإنه يُفترض أن تكون عودة رئيس الحكومة سعد الحريري من نيويورك مؤشراً إلى الدخول في مرحلة التسوية السياسية وترجمتها.

قد يصعب على اللبناني أن يتصور أن تنتهي كل هذه الفترة من دون أن يكون في الإمكان التوصل إلى تسوية، فلقد انقضى أكثر من ستة أشهر على الزيارة المشتركة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله والرئيس السوري بشار الأسد لبيروت، ونقاط التسوية بدأ وضعها منذ ذلك التاريخ، فهل يجب أن تمر سنة على التسوية ليبدأ تنفيذها؟

المؤشرات تدل على أن شهر كانون الثاني الحالي هو شهر بدء ترجمة التسوية لكنه أيضاً شهر صدور القرار الظني عن القاضي دانيال بيلمار وتسليمه إلى قاضي الإجراءات التمهيدية، فكيف ستسير التسوية بالتزامن مع صدور القرار الظني؟

هذا السؤال المحوري هو الذي ستجيب عنه التسوية، والجواب سيكون ترجمة ميدانية على الأرض وليس فقط مجرد كلام، وطلائعه ستكون تفعيل العمل الحكومي بعد غياب وتغييب وتعطيل بلغ حد الشهرين.

إذاً، في حسابات بسيطة، بلغ عمر التعطيل أكثر من ستة أشهر، وهذه الفترة على مستوى الوطن ككل من شأنها أن تؤدي إلى خسائر فادحة على كل المستويات بدءاً من المستوى الحكومي، مروراً بالمستوى الإداري، وصولاً إلى مصالح كل فرد من أفراد المجتمع اللبناني.

لا قيمة لأي تسوية ما لم تأخذ بعين الإعتبار المصالح الفردية لكل الناس، ومجموع هذه المصالح هو الذي يمثل المصلحة الوطنية العليا للبلد فأين المسؤولين من كل هذه الطروحات؟

إن المصلحة العليا للناس هي أن تتأمن حاجاتهم من خلال السلطة الوسيطة بينهم وبين الدولة، أي الوزارات. هنا بيت القصيد، فحين تكون هذه الوزارات معطَّلة ومشلولة فإلى أين يمكن للمواطن أن يلجأ؟

عملياً، لا ملاذ له، فالوزارات ملزمة بتأمين حاجات الناس وتوفير مصالحهم، وإذا لم تقم بهذا الدور فإن الفشل هو المصير المحتوم لها.

إذا كانت الحكومة ستبقى، وهذا ما هو مرجَّح ومؤكد، فإنه لا ذرائع أمام أي وزير للتهاون والتصرف وكأن الحكومة هي حكومة تصريف أعمال، فهي ليست كذلك على الإطلاق، وستُظهر التسوية الآتية أن ترجمة بنودها ستتولاه هذه الحكومة، وهذا ما يقطع الطريق على كل الأقاويل التي تحدثت عن أن التسوية تبدأ بتغيير الحكومة.

ليضع الوزراء أنفسهم في أجواء أن الحكومة باقية وستُقلِع من جديد، وليُظهروا الجدية المطلوبة في إنجاز الأعمال وفي توفير الخدمات للناس.