غالبا تطرح المفارقات في المواقف السياسية إجابات شبه حاسمة على تساؤلات يظل الإعلام الدولي يرددها بشكل آلي مبرمج لتبدو على غير الواقع المخطط لها.
ويدور همس يرتفع الآن إلى حد التحذير، من جدول تنفيذ ما يعرف بالشرق الأوسط الكبير، الذي تتساوى فيه الدول، بحيث تكون في حجم إسرائيل أو أقل، على ان تكون مصادر الثروة في (الأقاليم) المجزأة كلها بيد الموالين لأصحاب النظرية في حكومة العالم الخفية.
وهذا الحماس منقطع النظير الذي يشهده المسرح العالمي لفصل جنوب السودان من خلال الأكذوبة المسماة (استفتاء تقرير المصير) يشي بكثير من الأدلة على صحة الاعتقاد بوجود خطة التقسيم والتجزئة للوطن العربي كما هو مرسوم حتى يختفي الاسم العربي من أي كيان جديد كما اختفى من أماكن تعيش حالة انفصال غير معلن أو يجري الترتيب لإعلانه في الوقت المناسب.
فجأة وجدنا شراكة غير مألوفة بين القوى الكبرى في العالم وتحت عباءة الأمم المتحدة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان وقوى كنسية عالمية كلها تتضافر لتنظيم (الاستفتاء) وتواصل تحذير شمال السودان من الويل والثبور وعظائم إذا أقدم على إفساد العملية رغم أن الشماليين بمن فيهم رئيس الجمهورية يعلنون صباح مساء أنهم يحترمون خيار الجنوبيين.
إلا أن الأغرب هو جمع الخصوم من الجنوبيين في اتفاق (وقف إطلاق النار) بينهم حتى يمر الاستفتاء والجميع يعلم العداوات التي ستنفجر بينهم بعد الانفصال (المؤكد) فالتاريخ يعيد نفسه دائما، وحين انفصل السودان عن مصر اعتبروا أنفسهم تحرروا من المحتلين، واليوم يتردد (تحرر) الجنوبيين من الاحتلال الشمالي.
أما الوجه الآخر للمقارنة فهو ملف إقامة الدولة الفلسطينية، إذ ما إن أعلنت عدة دول الاعتراف بالدولة التي لم تقم بعد، إلا وانتفضت الولايات المتحدة تساند الحملة الإسرائيلية لإحباط المحاولات الجادة للاعتراف بفلسطين كدولة فلا الأمم المتحدة تشتد لحماية حقوق الإنسان الفلسطيني ولا أعوان إسرائيل في كافة المنظمات الدولية متحمسين للاعتراف بالدولة أو حتى حماية الشعب الفلسطيني وهو تحت الاحتلال وإجبار إسرائيل على احترام المواثيق الدولية المترتبة على الدولة التي تحتل أراضي الغير، والسعي لتقسيم الشعب الفلسطيني إلى فصائل معزولة في كانتونات عجفاء .
إنها مفارقة تاريخية مفعمة بالسخرية المريرة ومؤشرة إلى حجم الخطر الذي يتهود العالم وليس الوطن العربي فقط من محاولات توصيل دول الشرق الأوسط إلى حواف التشطير والتجزئة.
ربما لا يلتفت احد إلى مثل هذه المخاوف حاليا لأسباب عديدة لكن لينتظر المنتظرون ما سيحدث في دارفور بعد فصل جنوب السودان لإضافة مزيد من الدلائل على صحة مخطط الهدم في الجسد العربي، الذي تشرحه بوضوح المفارقة بين دولة فلسطين ودولة جنوب السودان.