يروي اللبنانيون، ولا يرتوون، عن الغلاء الفاحش الذي يسود الأسواق من دون حسيب أو رقيب، ولا يعرفون إلى مَن يتوجَّهون، فبعض السلع في المحلات التجارية وحتى في المتاجر الكبرى لحقت بها الزيادة بين أسبوع وأسبوع علماً ان الإستيراد واحد وقد تمَّ منذ أكثر من شهر، فلماذا الأسعار منذ أسبوعَين كانت بمستوى معيَّن فيما هذا الأسبوع ارتفعت؟

هذا السؤال يسأله ربُّ العائلة وربةُ المنزل لكنهما يعرفان سلفاً انه صرخةٌ في واد، فلا مَن يراقب الأسعار، وحتى إذا تمت المراقبة فإن الرشوة كفيلة بإسكات مَن يضعون التقارير وتجعلهم يُطنِّشون.

وعلى قاعدة ما حدا أحسن من حدا فإن موظفين من الدرجات الأولى والثانية والثالثة وحتى الرابعة يسألون باستخفاف:

ولماذا تريدوننا أن نعمل فيما الذين هم أعلى منا وفوق رؤوسنا لا يعملون، وأكثر من ذلك يُعطِّلون البلد؟

في تبسيط للأمور، يبدو الموظفون على حق، فإذا كان الوزراء والنواب لا يعملون ومع ذلك يتقاضون رواتبهم، فلماذا على الموظفين أن يعملوا إذا كان بإمكانهم عدم العمل وقبض رواتبهم على غرار الوزراء والنواب؟
الخطير في هذا السؤال انه بات مطروحاً بقوة على قاعدة أن المحاسبة مفقودة وغائبة على كل المستويات، لكن هذا الإستنتاج يقودنا إلى احتمالات في غاية الخطورة:

الإحتمال الأول تلاشي إدارات الدولة، ووجه الخطر هنا ان انهيار الدولة لا يكون بضعف الوزارات بل بضعف الإدارات، فالإدارات هي التي تكون على تماس يومي مع الأعمال لا الوزارات، من هنا حين تغيب الوزارات لا يشعر المواطن كثيراً بغيابها، في حين انه حين تغيب الإدارات فإن المواطن يشعر بسرعة بهذا الغياب.

ثمة مَن يعتقد بأن الوضع ليس على هذه الدرجة من السوء وبأن ما يمر به لبنان ليس سوى أزمة لا بد لها أن تنتهي. بالإمكان إحترام هذه القناعة لكن فيها شيئاً من التبسيط، فهذا الوضع الذي نمر فيه صار عمره قرابة الستة أشهر أي نصف عمر الحكومة حتى الآن، فكيف تكون المسألة ظرفية وقد استهلكت نصف عمر الحكومة؟

إن المشكلة الحقيقية في ثقافتنا وسلوكنا اليومي أننا نعمد إلى تبسيط الأمور، لكن المسألة أكثر تعقيداً مما نحن نتصوَّر، وإذا بقيت الأمور على هذا المنوال فإنه من غير المستبعد أن نصل إلى يوم يصير فيه القانون وجهة نظر والإلتزام بالقانون من الكماليات وليس من الأساسيات أو الضروريات.

ولئلا نصل إلى هذا الوضع لا بد من عمل يوازي إعلان حال طوارئ اجتماعية وحياتية قبل أي شيء آخر.