احتدم الجدل بين الروس والأميركيين في غضون السعي إلى التصديق البرلماني في كلا البلدين على معاهدة ستارت الجديدة، التي صادق عليها مجلس الشيوخ الأميركي بعد إجراء تعديلات عليها. وتعتزم روسيا من جانبها إجراء تعديلات خاصة بها على نفس المعاهدة قبل التصديق النهائي، وان كان الدوما الروسي قد صادق عليها امس في قراءة أولى، الا انه يتعين التصديق النهائي الروسي في جلسة قادمة تأجلت حتى يناير القادم.
 

وبالنظر الى الترسانة الهائلة من الاسلحة النووية لدى الجانبين، والتي تطورت نتيجة الحرب قبل سقوط الاتحاد السوفيتي في العقد الاخير من القرن الماضي، فإن بنود الاتفاقية الجديدة ـ فيما لو تم تطبيقها بشفافية على ارض الواقع ـ تتضمن تخفيض ثلث المخزون النووي ـ لدى القوتين العظميين، مما يعني ان المخزون الباقي سيكون مثيرا للرعب ايضا، ولن يخفف الوضع الجديد بعد سريان الاتفاقية من توجس العالم من نوايا القوى النووية بشكل عام.


ان الظروف الراهنة تشكل فرصة تاريخية للنظر في نزع شامل لكافة اسلحة الدمار الشامل على مستوى العالم اجمع، وفتح المنشآت النووية وخاصة في اسرائيل للتفتيش الدولي النزيه، والاعتراف بالمخزون النووي الاسرائيلي وبانه يشكل خطرا على الأمن والسلم الدوليين فعلا، فالصمت على هذا الوضع المشين تجاه قدرات اسرائيل النووية هو الذي شجع دولا اخرى، في المنطقة والعالم، للسعي الدؤوب للحصول على رادع نووي، او تقليدي على السواء، لحماية امنها القومي. فكل الدول الاخرى تشعر بالتهديد، وايضا تشعر بانها مستثناة من التعامل الندي مع قوى النادي النووي المعلنة وغير المعلنة.
 

لقد اثبت البلدان (روسيا واميركا) حتى الآن انهما راشدان، بالقدر الكافي لتجنب التهديد بحرب نووية، او حتى تقليدية بينهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، الا ان سياسة الكيل بمكيالين في المسألة النووية يبعث على القلق العميق الذي لن يهدئ من حدته اتفاق مهزوز وضبابي مثل ذلك الذي صادق عليه برلمانيو روسيا والولايات المتحدة مؤخرا، ثم إن المعاهدة (ستارت) قد فقدت قيمتها بانتهاء الاتحاد السوفيتي الذي كان يشكل القوة الموازية في الثنائية القطبية كضمانة لمنع دول صغيرة تدور في فلك أي من القطبين في ارتكاب مغامرة نووية تهدد السلام الاقليمي او العالمي.
 

ويكمن الحل الأمثل للمعضلة النووية، في أن يتداعى العالم كله، صغيره وكبيره، الى التوقيع، والالتزام، بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي بدأ التوقيع عليها عام 1968، ولكن ثمة دولا لم توقع او تلزم بها، على رأسها اسرائيل التي ترفض حتى الافصاح عن مخزونها النووي، وهذه المعاهدة الدولية هي الكفيلة بحفظ السلم العالمي، فيما لو أجبرت الدول التي لم توقع عليها ان توقع وتصادق وتلتزم.


وتعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان هناك حاولي 40 دولة في العالم لديها القدرة على تضيع اسلحة نووية.


إن العالم يبدو غارقا في أزمات اقتصادية ومشكلات معيشية بسبب التحولات المناخية، وبسبب المخاوف من عواقب استمرار دول في احتلال دول وشعوب أخرى مغلوبة على أمرها، ومعاهدة ستارت بالتالي لم تعد كافية لمنع هذه التحديات القائمة.