قراءة في كلمات محمد بن راشد

القيادة ثُنائيةُ السحرِ والدهاء

في كلمات بديعة المحتوى عميقة الدلالة والإيحاء، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على واحد من أعمق المفاهيم في الإدارة والسياسة هو مفهوم القيادة وطبيعتها الجوهرية، التي يصعب تحديد السر فيها:

هل هي موهبة فطرية يؤتيها الله تعالى مَنْ يشاء من عباده؟ أم هي أسلوب في التفكير يمكن تحصيله بالعلم والممارسة؟ وبين هذين السؤالين الكبيرين جاءت كلمات صاحب السمو، الذي صقلت الأيام والتجارب شخصيته، وتلقى منذ طفولته المبكرة جُرعة كافية من التدريب والتعليم، واستخلاص الحكمة على يدي شيخي الجزيرة وفارسَيْ حُكمائها:

المغفور لهما: الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المؤسس الباني والقائد الجسور، الذي اجتمعت القلوب على محبته، واستلهام نظرته الصائبة للحياة، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الرجل العميق النظرة، الذي كان تفكيره سابقاً لزمانه فضلاً عما امتاز به من حنكة إدارية وحكمة نادرة جعلت من شخصيته مُلْهِماً لا يغيب لقادة هذا الوطن وفرسانه الشجعان.

يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كلمته بهذا التفحُص الذكي لمقولة شائعة خلاصتها بحسب تعبير سموه (يُقال: إن القادة يُولدون ولا يُصنعون) ثم يسكت هُنيهةً ويقول: (قد يكون هذا صحيح) و«قد» في هذا السياق حرف يحتمل التأكيد والتحقيق تماماً كما يحتمل التشكيك بحسب ما هو معروف من معانيها، التي تفيدها في العربية.

لكن نبرة صاحب السمو وما سيأتي من كلامه يشيران إلى أن دلالتها على التشكيك أكثر من دلالتها على التحقيق والتأكيد، ومعلوم أن كلمة (يُقال) تفيد نوعاً من الشك، الذي يُسميه العلماء (التمريض) فصاحب السمو يريد أن يتخفف من عبء هذه المقولة، التي لا تنسجم مع توجهاته ورؤيته للحياة، كما سيجزم بذلك في نهاية الكلمة، لأن هذه العبارة تضع حاجزاً بين الإنسان وبين رغبته في التغيير وصناعة القيادات القادرة على التغيير.

فالرضوخ لهذه المقولة يحمل نوعاً من الاستسلام لمحتواها القَدَري الإجباري، الذي يعني في المحصلة النهائية عدم إمكانية تطوير الإنسان لقدراته وصقل مواهبه والرضوخ لشعور العجز، الذي ينتج عنه الترهل والكسل والإهمال، ويتناقض جوهرياً مع فكرة الإبداع والإنجاز والتقدم، التي هي المكونات الأساسية للقيادة الناجحة، ثم جاءت العبارة الثانية للتأكيد على نظرة صاحب السمو، الذي يؤمن بالموهبة الفطرية، ولكنه لا يؤمن بكونها هي وحدها المسؤولة عن تشكيل الشخصية القيادية، تمهيداً لصياغة رؤيته الخاصة في هذه القضية المحورية في قيادة الوطن والدولة، فيستأنف القول وبنبرة هادئة، تعكس الخبرة العميقة والنظرة المتفرسة الصائبة فيقول:

(ويُقال: لا يُمكنك أن تتعلم القيادة لأنها شيء تملكه أو لا تملكه) وبهدوء تام، يعقّب صاحب السمو على هذه المقولة بقوله: (وهذا صحيح)، بمعنى أن جوهر الفكرة صحيح، ولكن ليس على إطلاقه، بل لا بد من تقييده، كما سيأتي من كلام صاحب السمو بأن ذلك يكون كما يقول هؤلاء إذا تم الرضوخ لفكرة القيادة، التي هي جزء من الطبيعة الإنسانية، فصاحب السمو يؤكد أن القيادة تولد بالإنسان، لكنه يؤكد أيضاً- كما سيختم به هذه العبارة الرائعة - أن هذه الموهبة هي مما يُمكن صقله بالتعلم والخبرة، وهو ما سيكون ختاماً بديعاً لهذه الكلمة الرصينة.

وفي إشارة ذكية إلى واحدة من أعمق مشكلاتنا الإدارية في العالم العربي، يؤكد صاحب السمو أن القائد الشجاع هو الذي يصطفي الشخصيات القوية، ويستخرج أفضل ما فيها من المواهب والإمكانات على العكس من القائد الضعيف، الذي يبحث عن الشخصيات الضعيفة، التي تُتقن فن الانصياع والمجاملة والمديح الزائف للمسؤول، فيؤكد بنبرة جازمة ضرورة العمل بمعية القادة الأقوياء قائلاً: (لا تخافوا من الأقوياء، بل خافوا من الضعفاء المترددين)، ليؤكد بهذه الصياغة الرائعة حكمة تبلورت ضمن الخبرة الإنسانية الطويلة خُلاصتها (إن أسوأ خيارٍ في حياة الإنسان هو التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار).

وتأسيساً على هذه النصيحة الإدارية الناصعة يؤكد صاحب السمو الجوهر العميق لنظرة القائد الشجاع، والتي تتلخص في تصميمه على إرادة مصلحة شعبه، والسعي في الارتقاء بالوطن والإنسان من خلال العمل الجاد، والمتابعة الحثيثة والمحاسبة المسؤولة، فالإدارة ليست جملة من المواعظ والإرشادات فحسب، بل هي منهاج عمل يقوم على التكليف والمتابعة والمحاسبة والمكافأة.

وإلا أصبحت المسألة لا تعدو كونها نوعاً من النصائح الأبوية، التي قد لا تجد آذاناً صاغية، ولكن المرؤوس حين يرى رئيسه يسبقه إلى ميدان العمل فإن طاقته تتحرك نحو مزيد من العمل والإنجاز والإبداع غير المسبوق، فيتشكل من هذا الخليط السحري معادلة واضحة المعالم لخصها صاحب السمو بقوله: (القائد القوي هو الذي يريد مصلحة شعبه، مصلحة مساعديه، فِرَق العمل اللي عنده، يريد لهم أن يصيروا مثله: يصيروا أسود).

ولكي لا تبقى هذه الكلمات مجرد إرشادات نظرية يجزم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على التحقق العملي لهذه الأفكار القيادية حين يؤكد أن القائد الناجح هو القائد القادر على اتخاذ القرار الصائب، لا بل إن الوظيفة الأولى للقائد هي اتخاذ هذا النمط الصعب من القرارات، وهو ما أكده صاحب السمو بقوله: (اتخاذ القرار الصائب هو الوظيفة الأولى للقائد)، وبلمحة خاطفة يلخص صاحب السمو جميع ما تقدم من الأفكار بقوله: (والقائد دون قرار؛ قائد فاشل) هكذا جاءت العبارة مطلقة دون تقييد بكون القرار صائباً أو خاطئاً، لكن المهم هو قوة الشخصية والقدرة على اتخاذ القرار، فإن أسوأ قرار للإنسان هو ألا يكون له قرار.

وبنبرة أبوية قيادية دافئة جازمة، يخاطب صاحب السمو جميع مَنْ يتوجه إليهم بالخطاب من أبناء شعبه الوفي، طالباً منهم الإقدام وعدم التردد في اتخاذ القرار، مؤكداً في هذه اللحظة ضرورة اتخاذ القرار الصائب، الذي هو ثمرة الدراسة العميقة والخبرة المتنامية قائلاً لهم: (ولكن أنا أطالبكم: اتخذوا القرار، اتخذوا القرار الصائب)، لتظل كلمات صاحب السمو نبراساً يضيء الطريق لكل من يسعى في خير هذا الوطن، ويعمل بإخلاص في سبيل مجده ورفعته.

ثم كانت هذه الخاتمة الرائعة العميقة التي تلخص نظرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لمفهوم القيادة، كما يعيشه هو، وكما تلقاه عن أجداده الكبار وشيوخه الحكماء فيقول: (القيادة هي سحر ودهاء، تُولد بالإنسان ولكن العلم والخبرة يصقلان هذه القيادة) وهذا لَعَمْرُ الحق هو فصل الخطاب في هذه القضية، التي لا يمكن أن يتكلم فيها إلا من خاض في بحارها، واصطلى بحرها ونارها، وما أشبه هذا المفهوم للقيادة بمفهوم الموهبة الشعرية، فهي تُولد مع الإنسان بالفطرة، لكنه يُنميها بالخبرة والتعلم حتى يرتقي إلى الذروة العليا بين فرسان القصيد، وأرباب البيان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات