لماذا يجب أن نشاهد السينما؟ 1 ــ 2

ت + ت - الحجم الطبيعي

نحن لا نمارس فعل القراءة لمجرد القراءة وتمضية الوقت فقط، ذلك أن القراءة أكبر من كونها وسيلة لتمضية الوقت بعيداً عن الملل، إنها فعل معرفي، يستمد أهميته من الأثر الذي يتركه في عقل ووجدان وسلوك القارئ، خاصة أنه لا يحدث لمرة واحدة، أو لفترة زمنية محددة، بل على مدى زمن ممتد، ما يؤدي لتراكم خبرات ومعارف كثيرة وعميقة، تنعكس إيجاباً على شخصية القارئ، وكذلك لا تقل مشاهدة الأفلام السينمائية ذات القيمة العالية عن القراءة.

بقيت والدتي حتى اليوم، تنظر للسينما باعتبارها رجساً من عمل الشيطان، على الإنسان أن يتجنبها، وليست والدتي فقط، ولكن معظم الجيل والمجتمع الذي تنتمي إليه كانوا كذلك، أما اليوم، فإن الذهاب للسينما سلوك عادي في مجتمعات الحداثة في كل مكان، إن والدتي التي لم تدخل قاعة سينما في حياتها، كونت رأيها ذاك مما سمعته من والدها وزوجها وشقيقها بلا شك، الذين كانوا يذهبون للسينما، لكنهم كانوا يرون وجوب إبعاد النساء عنها، حرصاً على براءتهن، باعتبار أنها تحتوي مشاهد تنتهك هذه البراءة!

لم ينظر الناس قديماً لتلك الأفلام البسيطة التي كانوا يتسلون بمشاهدتها، باعتبارها ثقافة جمالية، أو رسائل إنسانية، تسلط الضوء على قضايا وإشكالات وأزمات الفرد والمجتمعات في كل مكان.

أما اليوم، فإن موجة السينما الجديدة، التي قادها الإيطاليون والفرنسيون والإيرانيون وغيرهم، قد نقلت السينما إلى مكانة رفيعة جداً، غيّرت النظرة التقليدية للسينما، وأدت لهذا التعاطف والإقبال الذي تشهده حول العالم، والذي بدوره حقق إيرادات ضخمة، لم يسمع عنها سابقاً!

إن السينما الحقيقية لا تنحصر في أفلام المقاولات الهابطة عديمة القيمة، ولا في أفلام الأكشن والرعب والإثارة والإغراء، هذا أحد وجوه السينما، لكن هناك سينما شاسعة، لا حدود لجمالياتها وحرفية وثقافة صناعها، تأتي من كل دول العالم، لتشكل مصدراً للمعرفة، وتوسيع أفق وحساسية الجمهور تجاه قضايا الإنسان وإشكالياته واحتياجاته ومطالبه المشروعة، وحيث إن الموضوعات والأفكار التي تتصدى لها هذه السينما، تضع المشاهد أمام تجارب وقصص وحالات وجماليات وزوايا رؤية لم يعهدها، وما كان له أن يعرفها بعيداً عن هذه الأفلام.

Email