السيدة العظيمة التي أشبهها!

ت + ت - الحجم الطبيعي

في طفولتي المبكرة كانت جدتي لأمي تشكل لنا جميعاً في العائلة المرجعية الأولى في كل أمر، رجالاً ونساء وحتى نحن الصغار، فهي مدبرة شؤون البيت بجميع احتياجاته، هي الطاهية التي لا يشق لها غبار في هذا المجال، فما تعده من أطعمة كان مضرب المثل، وكان اسمها يتردد في منازل الجيران كأفضل من يطهو الطعام، وأظنني ورثت هذا الميل عنها!

امتلكت تلك السيدة البهية على الدوام همة عالية، ونشاطاً لا يهدأ، كانت في شبابها وحتى حين تجاوزت التسعين عاماً تكره الكسل، وتضطلع بكل شيء وحدها، تحملت باكراً مسؤولية عائلة ليست صغيرة، في زمن كان تدبير حياة شخص واحد أمراً ليس هيناً، في ظل اقتصاد شحيح، وموارد معيشية تتصف بالندرة، وحياة على الإنسان لكي يستمر فيها أن يصارعها ليلاً ونهاراً، كي يأمن ظروفها وعواقبها، لذلك فقد كابدت جدتي الحياة بصلابة نادرة ورثتها عن أهلها سكان الجبال البعيدة!

لم تذهب جدتي للمدرسة، حتى مدرسة القرآن لم ترها في حياتها، لكنها كانت تطبق في بيتها كل النظريات الاقتصادية الحديثة: ترشيد الإنفاق، تحقيق الاكتفاء الذاتي، الاعتماد على النفس، والتعلم بالمحاكاة.. لذلك امتلكت أبقاراً كفلت للعائلة موارد غذائية دائمة، وأموالاً تدرها عمليات بيع منتجات الألبان.

ولأن التعامل مع الموارد يجب أن يتم بتقنين، وبعيداً عن العبث فلم يكن يسمح لأي فرد وخاصة الصغار بالتخلف عن موعد الوجبات، ومن يفعل فلا نصيب له من الطعام، وسيبيت ليله جائعاً، كانت تحذرنا دائماً، من سيتغيب في وقت الغداء سيجد حجراً في القدر، وهذا ما كان يحدث بالفعل، أما التعاطف معنا والتسامح وإعداد طعام بديل فكان من رابع المستحيلات، لذلك فتجربة الغياب لا تتكرر غالباً.

وبالرغم من كونها لم تتعلم ولم تقرأ، ولم تكن تستمع للإذاعة في تلك الأيام البعيدة كوالدتي، فلقد سمعت اسم لبنان وأنا طفلة من فم جدتي، حينما كانت تصف الطقس الجميل بقولها: «هوانا اليوم كأنه نسايم جبل لبنان»! كانت تنصت، وتحفظ كلام الشعراء حتماً!

Email