هنا الشعر، منبعه وأهله وعشاقه، هنا في جزيرة العرب، حيث كان الشعر ولا يزال ديوان العرب وسجلهم، حافظ ذاكرتهم وأمجادهم، ملتقى مجالسهم وفخرهم ونارهم التي يضرمونها عرساً وجلجلة وأجراساً يسمعها السمار في الليل والغادون والرائحون عبر طرقات الصحراء التي بلا نهاية، فلا يفخر العرب قديماً برجل إلا إذا كان شاعراً أو فارساً، هؤلاء هم العرب أهل اللغة والبلاغة والشعر والكلام، يتوارثون الشعر كما يتوارثون فصيلة دمهم وألوان عيونهم وسمار جلودهم، لذلك يقولون بثقة إذا أردت أن تعرف أن فلاناً شاعر فاسأل عن جده وخاله.

حين سئلت الشاعرة الإماراتية عائشة الشامسي عن بدايتها مع الشعر، وكيف تدفقت القصيدة على لسانها، تحدثت عن والدها، وعن تلك المشاوير التي صحبته خلالها وهي طفلة وطرقات مفتوحة على المدى والريح والشعر، وقلبها الذي كان يتشرب كلمات القصائد قطرة قطرة حتى ارتوت بالشعر وامتلأ قلبها بموسيقاه وكلماته وسحره، من هناك كانت البداية والبذرة، التي ظلت كامنة في قاع القلب تتقلب فيه وتنضج على مهل، كحبوب القهوة الخضراء تقلبها يد بدوي خبير لا يمل التقليب والترقب، فإذا استوت ونضجت أيقن تماماً أنه قد حان وقت النار والقهوة وعبق الرائحة، عندها يحضر المريدون وتدور الفناجين ويحلو الشعر وتنتشي القصائد.

هكذا وجدت نفسي شاعرة، تقول أسماء، قرأت كتب الشعر وتسللت إلى مكتبة أمي وسطوت على دواوينها، ثم درست العربية فقد كان لا بدّ من ذلك. مع الكلام سهرت أسماء وأمل وعائشة سنوات المراهقة وما زلن يقرأن وينضجن القصائد على جمر الأيام والتجارب والأوجاع والمسرات، ومع الوقت تشربت أرواحهن الشعر والقصائد على مهل، حتى غدون أصواتاً شعرية قوية تنطلق حناجرهن بأجمل القصائد ويتدفق الكلام من بين شفاههن مضيئاً عميقاً يعبر عن كل واحدة منهن، فالشعر هوية صاحبه ولونه وقدرته.

في ليلة الاثنين حيث احتفت الإمارات بيوم المرأة الإماراتية تدفق سحر الكلام والشعر عبر تجارب إماراتية شعرية متميزة أكدت على عنفوان القصيدة وقوة الصوت الشعري النسائي.