مر أمامي مقطع لسيدة تحتفل صحبة عائلتها وأصدقائها بذكرى عيد مولدها الستين، بدت السيدة فرحة جداً، شديدة الأناقة ومغمورة بمودة المحيطين بها، ولقد أرفقت تعليقاً بصوتها للقطات فيديو تتحدث فيها عن سنوات عمرها التي وصلت للستين، بينما العمر لا يقاس بعدد السنوات، كما قالت. وإذا تمعنت جيداً في نبرة صوت المرأة وهي تتحدث فإنك ستسمع بصمة للصوت لن تخطئها أذنك، إنه زهو العمر وثقة الرضا بمنجزات تلك السنوات البديعة التي عبرت!
في السنوات الستين التي عبرتها تلك السيدة وملايين من السيدات والرجال، فإنهم نادرون أولئك الذين يقول الواحد منهم وهو ينظر خلفه: إنها الستون لكنني ما زلت أحمل الكثير من الأحلام، إنها الستون لكنني أشعر بأنني كمن لا يزال في الأربعين، إنها الستون بكل تجاعيدها وترهلاتها وحلوها ومرها وتجاربها التي حلّقت بي عالياً وهبطت بي إلى الأسفل، إنها الستون وكل خط تحت عينيّ تجربة، وكل ذكرى أضافت لي إنجازاً، وكل محطة أبكتني إضافة وعلامة ونجاح يستحق الإشادة.
جميل ألا نهرب من أعمارنا، ألا نختبئ خلف عمليات الشد والنفخ، ألا ننسلخ من وجوهنا وشفاهنا وملامحنا، ألا نترك عند كل مرحلة وجهاً من وجوهنا لنقتني وجهاً آخر ليس لنا، وجهاً أملس بلا تجاعيد ولا علامات.
جميل أن نصير أجمل وأكثر أناقة واهتماماً بأنفسنا وعقولنا، أن نعرف ونقرأ ونتثقف ونسافر ونزداد أصدقاء ومعارف وتواصلاً وإدراكاً ووعياً.. فكل ذلك لا يتعارض مع العمر والسنوات والخبرة، شرط ألا نفقد وجوهنا وذواتنا أبداً.
العمر الذي منحنا الوقت والأيام والتجربة الممتدة بكل تقلباتها الجيدة والسيئة، الناجحة والفاشلة، العمر الذي منحنا العائلة والدفء والأصدقاء والأيام التي لا تنسى، والليالي التي لا تغيب عن البال، العمر بكل سنواته التي نفخر بما عملنا وكافحنا لنصل إلى مبتغياتنا، العمر الذي تعبنا فيه كثيراً، وحاربنا لنقبض على أحلامنا وفشلنا ثم انتصرنا، وركضنا طويلاً لنلحق بما فاتنا، وما زلنا نركض، ففي العمر بقية من أحلام لا تنتهي!