اتصلت بي سيدة طلبت التعليق على مقال الأمس حول الدعوة لاستغلال الوقت المتاح والتمتع بالحياة والسعادة وعدم الاتكاء أو الرهان على ديمومة الظروف وتأجيل السعادة والأحلام لأجل مسمى، بادرتني أولاً بهذا السؤال: أستاذة، هل تعتقدين فعلاً أن التمتع بالحياة الجميلة والسعادة يمكن أن يحصل في أي ظرف؟ قلت لها: نعم، إذا توفرت الإرادة والرفقة والظروف، قالت: ماذا تقصدين بالظروف هنا ؟ قلت: المريض مثلاً لا يستطيع، والمسجون لا يستطيع، والذي تراكمت عليه الأحزان والمصائب والديون .. السعادة تحتاج لظروف مساعدة!

قالت: لكن انهماكي طوال الوقت في شؤون أسرتي وتربية أبنائي يجعلني أؤجل أشياء كثيرة لحين يكبرون، هذا ظرف حقيقي ليس فيه مبالغة أو ادعاء، لكنني شعرت بأنك سخرت من ذلك في المقال! ومع أنني على يقين من أنني لم أسخر من أي شيء في مقالي، إلا أنني أجبتها: هناك فرق بين أن نناقش أمراً وبين أن نسخر منه، لقد قلت على وجه الدقة إن الناس تؤجل سعادتها لأنها تفكر في أولويات تراها أحق بالاهتمام والعناية، وهذا ليس صحيحاً دائماً، كتوفير المال والوقت لأولويات أهم من أمر يسعدنا، فنؤجل ونؤجل حتى لم يعد هناك ما نؤجله!

فهل السفر أو تعلم شيء معين، أو شراء أثاث جديد، أو البدء في مشروع العمر... أمور تسعدنا؟ إذن لماذا نؤجلها؟ وإلى متى؟ وماذا يفيد الإنسان أن يسافر وهو يتوكأ على عكاز وفي يده حقيبة من الأدوية؟ أية سعادة هذه وأي سفر؟ لماذا تفكر الأم أنه ليس لها الحق في أن تسعد نفسها بتغيير مطبخ منزلها أو مشاركة صديقاتها سفرة لن تستغرق سوى بضعة أيام إلى بلاد لطالما حلمت بها؟ لماذا هذا الشعور غير المبرر بتأنيب الضمير، وكأن لحظات السعادة التي ستحصل عليها ستسرقها من رصيد عائلتها؟

هناك ظروف لا يمكن فيها غض الطرف عن واقعنا الصعب، لكن البعض يبالغ في الإيثار، والرهان على أن كل شيء يمكن اللحاق به، وهذا ليس صحيحاً أبداً!