يقال إن كل خوف يخالج قلب الإنسان، مرده إلى خوفه من الموت، وفي الذاكرة الجمعية، هناك مَثَل شائع، يؤكد على أن (الإنسان عدو ما جهل)، فلا يكره الإنسان شيئاً، قدْر خوفه أو حذره من المجهول، الذي اضطره في فجر تكوينه الفكري، عندما كان الإنسان ساذجاً وبسيطاً، لا يمتلك شيئاً من أدوات البحث والفكر والنقد والفحص، إلى أن يعبد هذه المجاهيل، التي تشكل قوى الطبيعة الخارقة، ليتقي غضبها وانتقامها، وعندما تطور وتقدم واكتشف، لم يتوقف عن سبر أغوار الطبيعة والبحار والفضاء، ليأمن تلك المجاهيل الخارقة، لقد وجد الإنسان في التقدم مجالاً رحباً لصناعة الجمال، التي يعتقد أنه يمكنه بها مقاومة المجهول الأكبر!
إن كل الأفكار التي لا تتوقف في موضوع عمليات التجميل، وعمليات الرشاقة وأدوية الطاقة وأدوات الرياضة واللياقة، كلها تحديث متناسب مع حداثة اليوم، وتطور العلم للرحلة الأسطورية التي قطعها البطل الأسطوري جلجامش في الحضارة السومرية، عندما خرج في رحلة البحث عن زهرة الخلود، فالخلود أو اتقاء النهاية المحتومة، هو إحدى الطرق المضمونة للانتصار على المجهول، لكن الأسطورة نفسها تقول لنا إن جلجامش الأسطوري، وبعد رحلة المشاق التي استغرقت الكثير، سيحصل بالفعل على الزهرة، لكنه سرعان ما سيفقدها، بمجرد أن تتسلل حية لتلتهم تلك الزهرة والفكرة معاً!
أي أن الخلود غير ممكن، فليس لهذا خلق الإنسان، وأن المواجهة لا بد منها بقليل من التصالح وكثير من الإيمان، ولذلك، فإن القبول بفكرة الطيران ليس شجاعة، بقدر ما هو إيمان، والقبول بتقلبات العمر كذلك، وعدم السعي بجنون وحماقة خلف عيادات التجميل، وأطباء تغيير الملامح إلى درجة الإدمان والهوس!
عمليات التجميل لإخفاء بضعة تجعيدات حول الشفاه هنا، وشد تجعدات حول العينين هناك، لإنقاص عدة سنوات في المظهر لا أكثر، وللإيهام بالشباب، ذلك أن القبول بالواقع، يبدو أكثر اتساقاً وتصالحاً وتآلفاً، بينما هذا الفزع من العمر، لن يقدم ولن يؤخر، وأما تأجيل الشيخوخة وقوعاً في وهم الشباب، فلا بأس إذا كان من منطلق التأنق وحب الجمال!