أمام طوفان الهويات الثقافية الذي يجتاح العالم كله، والذي ينهمر علينا هنا في الخليج كذلك باعتبارنا بلاداً مستقطبة للخبرات والهجرات والاستثمارات فإن هذا الخليط من الهويات والثقافات يدفعنا للسؤال عن انعكاساته ومدى استعدادنا لآثاره الكثيرة ومدى قدرتنا كمجتمع على امتصاص تلك الآثار، دون أن يعني ذلك أن ننعزل أو نغلق الأبواب في وجه أحد.
إذا نظرنا إلى أوروبا مثلاً بعد هجرات ما عرف بالربيع العربي وحتى ما قبل الربيع العربي والتي اتجهت لجميع بلدان أوروبا بحثاً عن العمل والاستقرار والتعليم والحريات، إلا أن هناك مخاوف كثيرة حيال هؤلاء المهاجرين بعضها ظهر بوضوح وبعضها ينمو تحت جلد القارة العجوز وسرعان ما سيتكشف مستقبلاً.
لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك عوامل تحد من نمو أعداد الأوروبيين (خيار الزواج والأسرة أصبح نادراً / الإنجاب محدود جداً..) في مقابل حفاظ المسلمين على خيار الأسرة والإنجاب بأعداد غير محدودة، لننظر للمستقبل بعد 30 عاماً وليس اليوم، ولنسأل هل ستصمد أوروبا بتفوق سكاني ثقافي أمام الهجرات المتدفقة؟ أم ستذوب ثقافياً؟
في الخليج لدينا تدفق هجرات هائل لأسباب مختلفة، إضافة إلى أننا نشكل أقلية عددية، لكن لا بدّ من أن نأخذ عوامل مهمة بعين الاعتبار: فمؤشر التنمية البشرية والاقتصادية عندنا يصب في صالح نمو أعداد المواطنين، إضافة إلى أن الاندماج والتداخل صعب جداً، وتحديداً إذا كنا نتحدث عن ذوبان الهويات واضمحلالها.
إن دولة الإمارات وسائر دول الخليج مجتمعات فتية، معدلات الإنجاب فيها جيدة ومستمرة في ظل الحفاظ على شكل الأسرة بعكس دول أوروبا تماماً، هذه الأسرة تحظى بمستويات رعاية صحية واجتماعية عالية تظهر في تدني معدلات الوفيات والأمراض والفيروسات بين المواليد، إضافة لإلزامية التعليم وقوانين التوطين وارتفاع الدخول والضمان الاجتماعي والرفاهية والرضا عن الحياة..
كل هذا يجعل الرغبة في الانسلاخ من الهوية أو التخلي عنها أو التضحية بها أمام إغراءات الثقافات القادمة خياراً بعيداً، وإن كنا نؤكد على حاجة أجيالنا باستمرار إلى برامج ومناهج تقوية الهوية والانتماء تعزيزاً للشخصية القومية والخصوصية وليس الانعزال أو رفض الآخر!