عندما انتهى ماركيز من كتابة روايته الشهيرة (100 عام من العزلة) في أغسطس من عام 1966، حملها وذهب بها صحبة زوجته مرسيدس إلى مكتب البريد، ليرسلها إلى دار النشر في بيونس آيرس، وضع الروائي المخطوطة أمام موظف البريد والـ 50 بيزو، التي كانت بحوزته، إلا أن الموظف أخبره أن المبلغ غير كافٍ، وأن عليه أن يدفع 31 بيزو إضافية.
السيدة مرسيدس كانت مؤمنة بموهبة زوجها إيماناً يوازي حبها له، لذلك اقترحت أن يرسلا نصف الرواية، بينما ستتدبر بقية المبلغ حتى الغد، لإرسال الجزء المتبقي، وقد كان، في 1967 صدرت الرواية، وبعد مدة وجيزة تحولت إلى أكثر الروايات شهرة ومقروئية في العالم، فما هو سر الرواية؟
هناك الكثير مما يمكن أن يقال في هذا الشأن، لكن الدراسات الأكاديمية والأطروحات والكتب، التي نشرت حول الرواية لم تأتِ من فراغ بطبيعة الحال، فهذه التحفة الروائية لم تصنع شهرة ماركيز فقط، ولم تكسر سيطرة الأدب الغربي، وتكرس الأدب اللاتيني ومدرسة الواقعية السحرية فقط، وإنما منحت ماركيز أرفع جائزة أدبية في العالم: نوبل عام 1982.
إن لا نستسيغ رواية أو أدباً ما، فهذا أمر عادي يحدث دائماً، دون أي تشكيك في القارئ ولا في العمل، لكن غير العادي أن يكتب أحدهم أن 100 عام من العزلة ليست سوى عمل ممل لا قيمة له، أو أنها ليست سوى صفحات محشوة بأسماء مكررة وتفاصيل بلا معنى !
إن ديمقراطية القراءة شيء، وعشوائية الانتقاد وتسفيه الأعمال العظيمة شيء مختلف، خاصة لمن لا يمتلك أدوات الحكم والنقد الصائبين، فلا يعقل أبداً أن تكون أكاديمية نوبل وكبار الكتاب والقراء والنقاد والمترجمين حول العالم...لا يفهمون، ووحدك أنت أيها القارئ (العبقري) من يفهم ويقيم !
فما الرواية إن لم تكن ثرثرة ممتعة وأحداثاً خيالية، استطاع الكاتب بعبقريته أن يقنعنا بواقعيتها فعلاً ؟ ما الرواية سوى فن سرد التفاصيل بطريقة ممتعة ؟ ما الرواية إن لم تكن 100 عام من العزلة؟