تتداخل المعاني والشواهد والمواقف فيقود كل منها للآخر، فيحضر موقف غائر في تلافيف الذاكرة بشكل مفاجئ لمجرد حضور حديث أو صورة أو موقف يشبهه أو ذي علاقة وثيقة به، وقد تقودنا رائحة، أو يأخذ صوت للبعيد الذي نظن أننا نسيناه أو أنه تلاشى تماماً، فنكتشف أن لا شيء يضيع من الذاكرة، وأن كل الملفات محفوظة بنظام سري دقيق، وكل ما تحتاجه كلمة سر قد تكون كلمة أو ملامح وجه أو حديثاً وربما رائحة !
يحدث ذلك كثيراً في التفاصيل التي نعيشها ضمن نطاق حياتنا اليومية، في زيارتي الأخيرة للعاصمة الكورية سيئول، كنا نعبر نفقاً من الفندق الذي نسكنه لقاعات معرض سيئول الدولي للكتاب، النفق عبارة عن سوق يعج بمختلف المحلات وحوانيت بيع القهوة التي توجد في كل ركن وشارع في سيئول، وهم هناك يحتفون بها ويقدمونها بشكل شديد الأناقة والتنوع.
بمجرد أن هبطت إلى طابق السوق ما تحت الأرض حتى لفحت وجهي روائح القهوة النفاذة، فتذكرت المرة الأولى التي أقمت فيها في فندق يصله بالمستشفى الذي كانت تعالج فيه والدتي في مدينة روشستر بولاية مينيسوتا الأمريكية، نفق طويل يعج بمحلات وأجهزة بيع القهوة، وفي أحد أيام شهر أغسطس من عام 1993 توقفت أمام أحد تلك المحلات لأطلب كوباً كما يفعل الجميع، دفعت الثمن وأخذت أرتشف الكابوتشينو للمرة الأولى في حياتي بتلذذ شديد؛ لذلك فعندما تدافعت روائح القهوة فجأة في وجهي وأنا أعبر نفق الفندق الكوري حضرت أيام روشيستر كلها أمامي.
ونحن في ضيافة سفير دولة الإمارات في كوريا قدمت في أول الزيارة أطباق من (رطب النغال) الذي يعتبر أول تباشير موسم الرطب، لحظتها دارت أحداث كثيرة يعرفها الإماراتيون عن الرطب والاحتفاء به، وكيف أن أهلنا كانوا إذا وصلت بشاراته الأولى من عمان، كانوا يقبلونه ويضعونه على عيونهم ويشكرون الله على أن أمد في عمرهم عاماً آخر ليشهدوا موسم رطب جديداً، وقد كنت أرى جدتي رحمة الله عليها تفعل ذلك بمجرد أن تصلنا صواني الرطب للمرة الأولى في موسم القيظ أو الصيف.