خلال أكثر من ثلاثين عاماً، سافرت حتى جبت قارات العالم كلها، لم أذهب إلى كل البلاد حتماً، لكنني زرت في كل قارة عدداً لا بأس به من البلاد، بعضها لم يكن يوماً على البال، وبعضها كان كأغنية في البال، وبعضها دفعتني إليها خيالات الكتاب وحكايات الروائيات الجميلات، سافرت أحياناً أبحث عن مدينة دارت فيها أحداث رواية، ويممت أحياناً صوب مدن بعيدة وغريبة، لأنها ارتبطت بكُتّاب عظام أحببتهم وعشقت أعمالهم، سافرت إلى سانت بطرسبيرغ، دخلت قصورها ومتاحفها، وتأملت عظمة ما تركه القياصرة من تحف وعجائب تخلل العقل والروح، وبحثت عما تركه الشيوعيون والبلاشفة، فلم أجد إلا خراباً وقبحاً وأفكاراً غدت خارج الاستخدام والزمن!

تتبعت في مدينة ديستويفسكي منازله التي سكنها، وتلك التي هرب منها، والأخرى التي توارى فيها عن عيون الدائنين، ثم بحثت عن تلك الشقة التي وصفها وحدد مكانها، وجعلها مسرحاً لأشهر لجريمة الطالب الشاب راسكولينكوف القابع في العوز، والذي سولت له نفسه تحت تأثير فقره المدفع، قتل المرابية العجوز إيفانوفنا، وسرقة أموالها، في روايته الشهيرة (الجريمة والعقاب)!

وحين سافرت إلى القاهرة، يممت مباشرة صوب القاهرة القديمة، حيث مساجد المماليك والأيوبيين، هناك بحثت عن مساجد السلاطين وتكايا العثمانيين وبوابات القاهرة، وقلعة محمد علي ومذبحة المماليك، وحارات نجيب محفوظ وأزقته ومقاهيه، إن الروائيين هم أكبر صناع الدعايا والإعلانات لمدنهم وبلدانهم، لكنها تلك الدعايات التي تستقر في الوجدان، وتحول العلاقة بالمدن إلى قصص حب لا تموت.

أما حين ذهبت إلى ألمانيا، وتكررت أسفاري إليها، وعرفت مقدار صلابة وغلظة الألمان، وتلفتّ كثيراً في أرجاء تلك البلاد الجميلة الغارقة في بهاء الطبيعة، تساءلت عن هذا الشعب الصلب الدقيق الدؤوب، ذي العزيمة والقوة، كيف أسلم زمامه ذات يوم لمعتوه ومجنون سلطة حقيقي كهتلر؟ كيف سار خلفه كقطيع بلا عقل، نحو حتفه ومجازره وحروبه العبثية؟ هل كانوا يومها أكثر جنوناً منه، يريدون فعلاً أن يكونوا شعباً فوق شعوب الأرض؟.