وجد الأب في تعلق ابنته بطيورها الصغيرة، وعنايتها الشديدة بهم وبطعامهم ونظافتهم، سلوكاً غير مفهوم، أو لنقل لم يستطع أن يصل إلى تفسير عقلاني له، أما قولها (أحبهم كأنهم صغاري)، فقد أخذه على أنه مزاح طفولي لا أكثر، لكنه أيقن خطأه لاحقاً، حينما سمع بكاءها عبر الهاتف، تبلغه فقدان صغارها بسبب خطأ عاملة المنزل، التي تسببت في طيرانهم من القفص!

تذكرت، والرجل يحكي القصة، تلك السيدة التي صحبتنا في أحد أسفارنا، وقد كانت تعيش وحيدة صحبة قط، كانت تتحدث عنه بحنان وافتقاد، وكنت أستمع وأضمر في نفسي تعجباً حقيقياً من حديثها، حتى كان ذلك الصباح الذي أخبروها بوفاته، لقد عاشت أياماً حزينة، لن أنساها أبداً!

وفي سنوات بعيدة، دخلت بيتنا كلبة لطيفة، هرباً من مطاردة صبية أشرار، كانت تلهث خوفاً، وتقلب نظراتها بين أمي والصبية، الذين كان كل واحد منهم يدّعي أنها ملكه، عرفت أمي كيف تخلصها منهم، حين قالت: صاحب الكلبة يناديها باسمها ويأخذها، فأسقط في أيديهم، ثم تراكضوا خارجاً، بعد أن صرخت فيهم أمي مؤنبة!

عاشت الكلبة في بيتنا سنوات طويلة، وصاحبت والدتي كظلها، تذهب معها حيثما ذهبت، وتعود معها، ولكثرة ما عاتبها الجميع على تربية كلبة (نجسة)، ولكثرة ما قالوا عما يجوز وما لا يجوز، ركبت والدتي ذات صباح سيارة أجرة صحبة الكلبة، وذهبت إلى أبعد ما استطاعت في دبي، وهناك تركتها، وعادت أدراجها إلى البيت، لقد كانت تبكي بصمت!

لم نسمع نباح الكلبة ذلك المساء، لكن عند منتصف الليل، بدا نباحها واضحاً، وبدا كأن أحداً يهز بوابة البيت من الخارج، خرجت أمي لتفتح الباب، تقول ما إن فتحت الباب، حتى قفزت تعانقني وهي تلهث.. لقد ركضت المسكينة عائدة لمنزلنا مسافة طويلة لا يمكن تخيلها، مجتازة أحياء وشوارع ومخاطر، عادت لأن ذاكرتها لم تنسَ ذلك البيت، وتلك السيدة التي أنقذتها من عذاب أولئك الصبية، فعن ماذا نبوح عندما نتحدث عن حكايات الحيوان؟.