الفكرة والصنم!

ت + ت - الحجم الطبيعي

من سنن الله في الخلق - يقول الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي - في كتابه «شروط النهضة» إنه إذا غابت الفكرة، بزغ الصنم، والصنم ليس فقط ذلك التمثال المنحوت من الحجارة أو الخشب، الذي جعلته بعض الأمم إلهاً يُعبد من دون الله، أما الفكرة فيمثلها العقل والبصيرة والتفكير والإيمان، والقيم، والبناء واتباع المنهج، وإن غياب ذلك كله يجعل للصنم قيمة وحضوراً حين لا يعود للفكرة أي وجود.

والمفاضلة بين الفكرة والصنم تتوقف على الإنسان، وعلى إرادته وبصيرته ووعيه بلا شك، فقد تمر أنت بحجر فتركله، وقد يمر غيرك بالحجر نفسه فيجعله تمثالاً ثم يعبده، الحجر هو الحجر، والمتغير في الحالتين هو الإنسان وطريقة نظرته للحجر، أما الدوافع فمختلفة، فقد تكون المصلحة سبباً للعبادة، وقد يكون الخوف أو الفراغ أو انعدام البصيرة والمعرفة.

بإمكاننا أن نقيس على الحجر أشياء كثيرة: المال، السوق، النفوذ، السلطة، الشهرة... إلخ، إذ يمكن لكل هذه الأمور أن تتحول من كونها أدوات لخدمة الإنسان وبناء حضارته إلى أصنام يعبدها، بل ويتفانى في عبادتها إلى درجة تتحول معها إلى غاية ومعوق.

ليس هناك أكثر من الأصنام في أيامنا هذه، فقد ألهت بعض الشعوب حكامها الديكتاتوريين، كما ألهت شعوب أخرى بعض الرموز الدينية، أو بعض الصالحين، حين جعلت لهم مزارات يتبركون بهم ويتمسحون بقبورهم، واليوم تحول بعض الأشخاص في السوشال ميديا، ومجال السينما والرياضة، إلى أصنام فعلية محاطة بهالة من القداسة والتمجيد كالآلهة القديمة للأسف.

وبالرغم من كل هذا التاريخ الإنساني الحافل بالنهضة والعلوم والمعارف والحضارة والمخترعات والفلسفة والرموز الفكرية العظيمة... إلخ، فإننا وصلنا بالرغم من كل ذلك لزمن ألغى فيه الكثيرون العقل والمنطق والتفكير السليم، واتبعوا بعض «الحمقى» كما ينعتهم عالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو على وسائل التواصل ممن يقودون متابعيهم إلى ضلالات وتفاهات سلوكية وأخلاقية لا نهاية لها، وهؤلاء ممن ألغوا دور الفكرة وأعلوا من قيمة الصنم.

 

طباعة Email