غيرة قاتلة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لو أن صحفياً حاذقاً أجرى تحقيقاً استقصائياً في بعض مؤسسات وبيئات العمل المختلفة، بطريقة العينة العشوائية حول غيرة الزملاء من بعضهم البعض في المؤسسات، ما هي أساليبها وإلى أين يمكن أن تقود أطرافها؟ لأمكن لهذا الصحفي أن يستمع لحكايات لا تصدق، وكما يقال يمكن أن يشيب لها شعر الرأس!

إن الغيرة بين زملاء العمل من أكثر العلاقات المسمومة بل والقاتلة، ولطالما أفقدت هذه الغيرة أشخاصاً من ذوي المهارات والكفاءات حقوقهم في الترقي أو الوصول إلى مناصب يستحقونها فعلاً، بسبب تلك المؤامرات والدسائس والوشايات، التي يحيكها لهم زملاؤهم في العمل!

غالباً ما يتميز الشخص الغيور بأنه شخص متوسط الإمكانات والمهارات، وحتى عندما كان طالباً فقد كان متوسط الذكاء، ولم يحسب يوماً في عداد المتفوقين، لكنه حتماً كان ميالاً لتكوين جماعات متنمرة ذات تصرفات عنيفة ضد الطلاب والمعلمين!

هذا الشخص حينما ينضم للعمل يتحول عنف المراهقة فيه إلى ميل للتآمر والأذى، فنجده يعوض قلة مهاراته وتدني ذكائه باستعداده الدائم للتزلف، والتقرب للأشخاص في المستويات العليا، والقيام بكل ما يطلب منه حتى لو شكلت تلك الطلبات إهانة شخصية واضحة، أو مخالفة للوائح العمل (كأن يطلب منه توصيل أبناء المدير للمدرسة مثلاً أو نقل أحاديث زملائه للمسؤول..)، إن تلك المهام هي جواز عبوره لعمق النظام بعد سنوات قليلة!

يثبت هؤلاء الأشخاص أقدامهم في أرض تلك المؤسسات، التي يزدهر فيها الفساد، فيصبحون من أكثر الأشخاص ثباتاً واستمراراً في نظام المؤسسة، وكذلك من أسرع الموظفين ترقياً وتقدماً في السلم الوظيفي، وسط تساؤل الذين تتخطاهم الترقيات: كيف؟ ولماذا هؤلاء تحديداً؟

لأن هؤلاء هم حفظة النظام في المؤسسة، والمخلصون للإدارة، الذين لا يثيرون الاعتراضات، ولا يخالفون أوامر النظام، الذي أطلق عليه الفيلسوف آلان دونو (نظام التفاهة)! حيث لا يتوانى هؤلاء عن التآمر على زملائهم الأكثر ذكاء وحرفية وتفوقاً، متخلصين منهم بأية وسيلة، والقصص في هذا المجال يمكن أن تملأ مجلدات!

 

طباعة Email