الجوع !

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل نحتاج في بلدان غنية مكتفية، وتعيش حالة من الرغد والوفرة في كل شيء، إلى أن نتحدث عن الجوع ؟ ما هو الجوع في حقيقته ؟ هل يعني شيئاً في سياق تاريخ وتطور المجتمعات منذ القدم، وخلال نشأتها أن تكون قد تعرضت للمجاعات وانعدام الشعور بوفرة الطعام ؟ هل الجوع هو جوع الطعام ؟

تناقش الروائية البلجيكية (آميلي نوثومب) صاحبة الرواية الشهيرة «نظافة القاتل» موضوعاً شديد الصلة بما يحصل في مجتمعات اليوم، التي تواجه تحديات على مستوى المناخ، وقلة معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وبالتالي زيادة تبخر الأنهار، واحتمالات حدوث ظاهرة جفاف ليس في أفريقيا، ولكن هذه المرة في قارة أوروبا ذات المياه الوفيرة، وهذا يعني مواجهة حقيقية مع الأرض والإنتاج، وما عرف دائماً بمبدأ الوفرة والاكتفاء الذاتي.

لقد واجه العالم خلال هذا العام تدريباً حقيقياً وصادماً لم يكن في حسبانه يوماً، تمثل في أزمة توفير الحبوب، بسبب توقف تصديرها من أوكرانيا نتيجة للحرب الأوكرانية- الروسية، لقد استنفرت الدول وأولها دول غرب أوروبا (دول الوفرة والرفاهية والاستهلاك اللامحدود) كافة إمكانياتها، وبدا أن عدداً كبيراً منها سيعاني أزمة خبز، إضافة لأزمة الوقود لأنها تعتمد اعتماداً كبيراً على حبوب أوكرانيا، وغاز روسيا، ما يعني أن العالم ذاهب لظاهرة جوع محتملة، ناهيك عن أزمة عطش بدت في تصريحات حكومات (إيطاليا وفرنسا) بضرورة الحد من استهلاك المياه وجعل الأولوية للشرب.

ما هو الجوع إذن ؟ ليس أن تصبح بلا طعام، ولكن أن يقودك استهلاكك اللاعقلاني لمواردك للوقوف أمام حقيقة أنك بلا موارد، تقول «نوثومب» الجوع هو أن تريد «أن تستهلك دائماً وبلا توقف»، فلا يكون الجوع هو جوع البطن فقط، ولكن تلك الحاجة الفظيعة، التي تمس حياة الكائن كله، ذلك الفراغ الآسر، وذلك التوق لا إلى الامتلاء المثالي الضروري، بل إلى تلك الحقيقة الصارخة (حين لا يوجد شيء، أتطلع لأن يكون ثمة شيء) ! بمعنى اختراع الحاجة !

طباعة Email