إذا قرأت إيزابيل الليندي؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

من لم يقرأ للروائية تشيلية الأصل، إيزابيل الليندي، ولو واحدة على الأقل من رواياتها الكثيرة، فقد فاته نوع لذيذ من الكتابة، تلك الكتابة التي تجمع بين حس المرأة المغرمة بالتفاصيل، وأمجاد تاريخ العائلة، وتلك الميزة التي تميز أدب أمريكا اللاتينية: الواقعية السحرية.

كتابة إيزابيل الليندي مليئة بالتفاصيل الشبيهة بالخيوط الكثيرة الملونة، التي تصنع في النهاية سجادة الرواية الباذخة، واقرأوا (ابنة الحظ) (الحب والظلال) (بيت الأرواح) (بلدي المخترع) (فيوليتا)، لتعرفوا ما أقصده على وجه الدقة.= في روايتها «بلدي المخترع» المفعمة بروح إيزابيل، وذكريات تشيلي تتساءل عن وطنها، الذي ما عادت تعرف إن كانت هي تشيلي، التي طردتها عام 1973، رغم أنها لا تزال تحفظ كل تفاصيلها وعاداتها وخصوصيتها، وكل القبيلة الطويلة من الأقارب والأهل فيها أم أن الولايات المتحدة هي وطنها الحقيقي، الذي استقبلها ومنحها الأمن والاستقرار والزوج والعائلة، والبيت الجميل على شواطئ الساحل الغربي في كاليفورنيا، وفجّر طاقاتها كمبدعة لم تكن لتصير كما صارت اليوم في ظل حكم طاغية ديكتاتور مثل «بينوشيه»!

سؤال طرحه عليها أحد الحاضرين في إحدى محاضراتها الترويجية لكتبها، فجّر لديها حنيناً جارفاً نحو تشيلي وطنها الأصلي، الذي تركته منذ سنين مهاجرة إلى الولايات المتحدة، إثر ذلك الانقلاب، ثم تلك العبارة، التي فاجأها بها حفيدها اليخاندرو، وهي تتحسس تجاعيد وجهها، حين قال لها: لا تقلقي لا يزال أمامك سنتان على الأقل لتموتي أيتها العجوز!

فماذا لو ماتت بعد سنتين من دون أن ترى تشيلي للمرة الأخيرة، وتعود لتتلمس جدران ذلك المنزل الكبير المتواضع، الذي نشأت فيه، ولا يزال ضاجّاً بأصوات العمات والخالات والكثير من الأقارب، الذين استلتهم إيزابيل من زوايا البيت التشيلي المتواضع، لتطلق جماح أرواحهم الضاجة والمغامرة في كثير من رواياتها التاريخية مثل روايتي «ابنة الحظ» و«صورة قديمة»؟

إيزابيل كما قال عنها أحد الكتاب «لا تجعلك تقرأ وحسب، بل تحاورك وتستفز كل شعورك وتهديك الجمال»، (فإذا قرأت كتابها (بلدي المخترع) ذات يوم فاحذف كلمة تشيلي، وضع اسم أي بلد عربي فإنك لن تجد اختلافاً يذكر فيما يخص علاقة العربي بأوطانه، التي يهجرها مرغماً !

 

طباعة Email