العالم أصبح هناك!

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ أن بزغ عصر الثورة الصناعية في أوروبا، واختُرعت الآلات، وتم التوصل للطاقة بمختلف أشكالها لتشغيل آلات المصانع ومكائن القطارات، وصار المصنع هو النواة الأساسية في تلك السنوات البعيدة من القرن الثامن عشر، الذي شهد بداية النهضة العلمية الشاملة، التي بدورها مهدت لقيام الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر، والتي حولت أوروبا إلى مصنع ضخم، لا تهدأ ماكيناته.

إذن، فالنهضة الصناعية كانت السبب المباشر في ظهور ما عرف بنشرات الأخبار، التي مهدت لحقبة الإعلام الجماهيري، فكانت تعلق على أبواب المصانع، ليعرف الناس أخبار المدينة وما يحدث فيها، هذه (النيوز ليتر)، تحولت في ما بعد إلى ثورة بحد ذاتها: الثورة الإعلامية الأولى!

اليوم، نحن نعيش ثورات إعلامية تتناسل من رحم تلك الثورة الأم، ثورة الصحف، التلفاز، الثورة المعرفية، ثورة التقنية ووسائل التواصل، اليوم، نحن في عصر الإعلام الحديث والتقني، ومن هنا تأتي الأهمية، ويأتي تهافت الجماهير على مواقع التواصل، حيث لا يزال هذا الإعلام، وهو في أقصى تجليات تطوره، يرتكز على تلك الفكرة: التواصل والإخبار، ونقل ما يحدث للجميع، لا جديد في الجوهر، لكن التطور التقني وسّع نطاق الخدمات ونوّعها، وجعلها في متناول الجميع حيثما كانوا!

هذا إذن ما يجعل الناس يركضون لمنصات التواصل: معرفة الجديد أولاً بأول، الإحساس بالطمأنينة، حيث الفرد جزء من هذا العالم الشاسع، حتى إن كان وحيداً في جزيرة نائية (وهذا ما طرحه أمين معلوف في روايته الأخيرة إخوتنا الغرباء)، وكما كان الإنسان منذ سنوات، يلتقي بصديقه أو جاره، فيبادره قائلاً: أين أنت يا رجل، افتقدناك، لم نرك في المقهى أو المسجد أو … اليوم، إذا التقى شخصان، يقول الأول للآخر، أين أنت غائب عن تويتر منذ عدة أيام؟ أو لم نرك على فيسبوك منذ عدة أيام؟.

العالم أصبح في تلك المدن والشوارع والتجمعات والمنتديات والأزقة التي كانت افتراضية، فصارت هي الحقيقة، وما عداها عوالم موازية، وأقرب للافتراضية، حتى وإن كانت واقعية!

طباعة Email