النقاشات العظيمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

سيظل الحوار والنقاش أحد أهم وسائل وأدوات التواصل بين البشر، وما من سنوات حفلت بنشاط إنساني احتدمت فيه النقاشات والأفكار وبرزت فيه التيارات والصراعات الفلسفية والإعلامية والوجودية والتحررية، كالسنوات الممتدة من الستينيات وحتى نهاية الثمانينيات، فحركة الهيبيز بكل حمولتها السياسية (باعتبارها حركة شبابية متمردة على القيم الرأسمالية) ظهرت في الستينيات، ومعها فرقة البيتلز أو الخنافس، وفي الفترة نفسها اندلعت ثورة الشباب الفرنسي المناهض للرأسمالية عام 1968 ما قاد لإغلاق الجامعات وتعطيل الاقتصاد، وهروب الرئيس ديغول إلى ألمانيا.

أما في العالم العربي فكانت العديد من الدول تنال استقلالها وتتبنى أنظمة حكم وطنية إثر انقلابات أو حركات تمرد، وفي تلك السنوات أيضاً، انقسم العالم اقتصادياً وسياسياً إلى شمال رأسمالي غني وجنوب متخلف وفقير، وفي الوقت الذي احتكر الشمال مفاصل الصناعة والاقتصاد وصناعة الأخبار والإعلام، بقي الجنوب متلقياً ومستهلكاً، بعد أن اختار أن يكون تقليدياً ومحافظاً، لأسباب تتعلق بفلسفة اجتماعية تقوم على مركزية الأسرة ومذهب سياسي يقوم على شمولية السلطة وما يحتمه ذلك من تكريس ومضاعفة آليات وأدوات الرقابة، الأمر الذي عارضته الولايات المتحدة والأمم المتحدة بشدة.

وشهدت سنوات السبعينيات والثمانينيات نقاشاً عظيماً (سمي بالفعل كذلك) للضغط على دول الجنوب لتحرير مؤسساتها ووسائل الإعلام فيها من أية رقابة، وقد خاضت الولايات المتحدة صراعاً شرساً في أروقة الأمم المتحدة لإقرار مبدأ (التدفق الحر للأنباء والمعلومات) واستبعاد الرقابة وجعل وكالات الأنباء الغربية حرة ومتحكمة ومصدراً وحيداً للأخبار والمعلومات، وبطبيعة الحال فقد كان لابد من شعار براق وإن كان كاذباً، لكنه سينجح الحرب، فكان الشعار (حرية الإنسان في الحصول على المعلومات)!إن هذا الذي نعيشه اليوم هو بعض من آثار ذلك التدفق والمتمثل في: تدفق المواقع والمنصات الرقمية، كثرة الشائعات والأخبار المكذوبة، تدفق المعلومات غير الدقيقة، تدفق الإعلاميين بعد أن أصبح كل مواطن صحافياً، تدفق الأعمال التلفزيونية التافهة، وطبعاً علينا أن نقبل بكل ذلك لأنه دليل على احترامنا لحقوق الإنسان!

طباعة Email